منابع الهموم.. في خطاب ممثل الأمير

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

ومن هذه الحالة، التي مرت بتبدلات كثيرة في التوزير، بطريقة سريعة، حيث تبرز أسماء صباحاً وتتلاشى في المساء، وبما يكشف الاستعجال في الاختيار، فلا يسمح الوقت بالترتيب والتشخيص للمناسب والمؤهل لتقبّل أثقال التوزير، عارفاً بالأجواء التي يعمل فيها مجلس الأمة وأولويات نوابه الساعين إلى إنهاك الميزانية استرضاءً للناخب، مع تشدد في المواقف التنموية والسياسية لتأمين شهرة تسهم في ترسيخ بقاء المقعد النيابي.

جاء خطاب ممثل سمو الأمير من ضيق واضح من دور النواب في الانشغال بأمور لا تهم المواطن، واستهلاك وقت المجلس في الاعتراض على إجراءات تعايش معها المواطن، مثل تواجد الطلاب والطالبات في جامعات الكويت، وتكاثر حجم الأسئلة الموجهة للوزراء، واستسهال الاستجوابات لمسببات ليس لها دور في التطوير، وإنما هي تدخلات نيابية في مسلك موظفي الدولة، والدفع بترتيبات الترقيات وتبديلات المواقع في مهمات غير لائقة يقوم بها النواب، كما يتحدّث سمو ولي العهد عن تحويل مفهوم الاستجواب إلى سلاح ضغط وتهديد، وخسارة الكويت لوزراء مؤهلين خرجوا لأن إجراءات الاستجواب مسرحية لا تليق بالمبادئ العالية والقيم الرفيعة التي تجسدت في دستور الكويت، فالجانب المسرحي لا يتناسب مع علو هذه القيم، فضلاً عن واقع الاستجوابات الذي تولّد غالباً من معاملات لم تتحقق للنائب، فسخّر هذه المادة كسلاح للانتقام، كما تناول سمو ولي العهد خطورة إثارة الرأي العام وإشغاله بقضايا ثانوية وأهداف شخصية.

استمعنا إلى خطاب سمو رئيس الوزراء المشحون بصدق النوايا وجمال النزاهة وعفة اليد واللسان، وتأكيد الالتزام بتعاون السلطتين، والحقيقة أن التعاون هو روح الدستور والتشاركية بين المواطنين والشرعية التاريخية، أبرز دينامكية الانفتاح التي جاءت بالدستور ومعانيها التعاضدية، فلن ينال رئيس الحكومة ما يريده دون تعاون صادق مع البرلمان، ولا مكان لبرلمان لا يلتزم بمبادئ التشاركية لنظام الكويت السياسي والدستوري، الذي يلح وبقوة على التزاوجية بين السلطتين، وعلى كل طرف احترام الصلاحيات التي من نصيب الطرف الآخر.

تحدّث سمو الشيخ مشعل أحمد الجابر الصباح، ولي العهد، ممثل سمو أمير البلاد، في افتتاح دور الانعقاد الثاني لمجلس الأمة، يوم الثلاثاء الماضي الموافق 31 أكتوبر 2023، بنهج غير مسبوق في وضوحه وفي ترجمته للهموم التي تشغل القيادة العليا، مع تحديد المسببات التي ساهمت كثيراً في الجمود التنموي والفكري، مع تراخي حبال الترابط بين السلطتين، وفوق ذلك، عدم وضوح المسار الذي يأخذ الكويت تجاه ما تريده القيادة.
والحقيقة أن دور الرئاسة في السلطتين هو جوهري وحتمي في تأمين نجاح هذا التزاوج، فإذا تخلى أحدهما عن هذه الحقيقة الترابطية، فلا نجاح للنظام الدستوري، ولن تصل الكويت إلى ما يريده المواطن في الاستقرار والتنمية.

كما نتوقع من سمو رئيس مجلس الوزراء أن يحصّن حقوق وصلاحيات نظام الحكم، لكي لا تنفتح الشهية نحو تشكيل لجان لموضوعات ليست من صلاحيات البرلمان، فالتشكيلة الأمنية التي تعتمد عليها الكويت تتمتع بإجماع من الشعب الكويتي، الذي أدرك الحقيقة المرة بأن الكويت لا تستقر ولا تتطور من دون شريك رادع قادر على المساهمة في إبعاد المخاطر، التي لا يخلو منها الفضاء الإقليمي، وهي أبرز الدروس التي استوعبها شعب الكويت، الذي يصر بالاجماع على التمسك بالشراكة الاستراتيجية، مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة، وكان من المناسب أن يتحدّث سمو رئيس الوزراء عن أهم عمود من حزمة الأعمدة التي تطمئن لها الكويت، مع مسعى تثقيفي في المنتديات الكويتية، لتصبح هذه المنظومة الأمنية من المسلمات لدى شعب الكويت ولدى برلمانه، وكذلك لدى حكومته، كما نلمسه في الدول الأوروبية التي يصون أمنها تحالف الناتو، مع التأكيد على الاستناد على مجلس التعاون، مستذكرين دور المجلس وأعضائه في تحرير الكويت، الذي جاء من بحر وسماء وأرض مجلس التعاون، بالإضافة إلى الجيوش المشاركة مع الحلفاء.

ومن المناسب أن تتواجد وبقوة وزارة الخارجية في فضاء مجلس الأمة، ومع كل لجانه، وفي كل أنشطته، حاملة خطوط التواصل مع الأسرة العالمية، وخاصة الشركاء الاستراتيجيين، بالإضافة إلى مجلس التعاون، وما يطرأ على هذه الخطوط من مستجدات وتحولات، لكي يتكامل الانسجام المريح بين السلطتين، معإدراك أن هذه الآلية الأمنية الواقية معتمدة على إجماع شعبي صامد، ومن هذا التفاهم يتوافر اليقين لدى النواب بأنهم طرف جوهري في تركيبة المتابعة لشؤون الأمن والدفاع.

كان خطاب سمو رئيس الوزراء محصوراً في طموحات التنمية وتوقعات التعاون بين السلطتين، الذي من الضروري أن يعمل سمو الرئيس على تحقيقه بإثبات قيادته للسلطة التنفيذية وحمايته للاختصاصات، لكي يحصنها من تدخلات النواب في صلاحيته، وليثق بدعم الشعب له في دفاعه عن سلامة حقوق الطرفين، وتجذير التعاون بينهما.

كما عليه حماية عمل الوزراء من تدخلات النواب، وصد المساعي المتطرفة التي تريد فرض مرئياتها على مسار مختلف الوزارات، كما أصاب جامعة الكويت في إجراءات جلوس الطلبة.

من الواضح أن سمو رئيس الوزراء لم يستفد من صحافة الكويت الأكثر حرية والأقوى في محتواها مما نشهده في معظم الدول العربية، فالموقع الذي يشغله يجب أن ينظر إلى الإعلام كآليات يتحاور من خلالها مع الرأي العام، يقف منها على ما يريده الناس ومما يشتكون، وتشخيص معاناتهم حول التطوير، يتعرفون على ما يضايقه، ومواقع شكواه، فلن يُستغنى عن الدعم والمؤازرة والقول الطيب، ويتقرب منهم، ويتعامل معهم كجنود مؤازرين، فهم سنده عند الشدة، وهم حماته من التطاولات، ففي السياسة كل شيء محتمل، ومكوناتها النظيف والخبيث وما بينهما، فلا أمن ولا أمان سوى بالمتابعة والحوار، فالوصية الصادقة تحثه على توظيف الإعلام ليعرف الناس ما يشغله وما يزعجه، وهم الأنصار المتابعون لخطواته في تنفيذ آمال الشعب الكويتي.

أشير مرة أخرى إلى خطاب سمو ولي العهد كممثل لسمو الأمير، فقد كان صريحاً ومنصفاً في تطرقه إلى خيبة أمل المواطنين من أداء كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبالطبع مترجماً مشاركته لمشاعر المواطنين، وطالباً بأن يكون دور الانعقاد الحالي هو دور تحقيق الطموحات وإنجاز التطلعات، والارتقاء بالكلمة لكي تعلو الممارسات النيابية الرشيدة، ودفع الفعل فوق القول، ويختتم كلمته الناصحة والصريحة بأن يتفهم الجميع شروط المرحلة المقبلة كمرحلة وجود واستقرار.

من يقرأ الخطاب، يتمعن بشدة وضوح المشاعر التي أوحت لسمو ولي العهد باختيار مفردات معبرة عن أحكام القيادة العليا على المسار النيابي والحكومي في المرحلة السابقة، ووضع الطرفين، المجلس والحكومة، أمام تحدٍّ قيادي ينتظر حصيلة يعتز بها المواطن ويرتاح لها القائد.

هذه رسالة على النواب والوزراء ورئيسهم الاستجابة لمحتوى التحدي.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.