لبنان و"اليوم التالي" في غزة والمنطقة

رفيق خوري
رفيق خوري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

مهمة الموفد الرئاسي الأميركي عاموس هوكشتاين في بيروت بدت نوعاً من المباراة في اللاممكن. ما طلبه هوكشتاين ليس ممكناً بالنسبة الى «حزب الله»، ولا في قدرة ما تبقى من لبنان الرسمي: توقف «حزب الله» عن قصف القوات الإسرائيلية مقابل توقف إسرائيل عن قصف القرى اللبنانية في الجنوب. وما طلبه «حزب الله» ورئيسا المجلس النيابي والحكومة ليس ممكناً بالنسبة الى إسرائيل وأميركا: وقف إطلاق النار في غزة للتهدئة على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية ومنع توسيع الحرب. أما إلتزام القرار 1701 الذي كان الضحية الأولى، فإنه مجرد خطاب رسمي وسط «عدم إحترامه من إسرائيل و»حزب الله» حسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس. وأما الضغوط الأميركية لحصر الحرب في غزة، فإنها ليست في الحسابات سوى واحد من العوامل التي يتقرر على أساسها توسيع أو عدم توسيع الحرب على جبهة الجنوب وسواها ضمن «وحدة الساحات ومحور المقاومة» بقيادة إيران.

والمسألة أبعد من ذلك في حرب غزة، حيث تتركز الجهود حالياً، بصرف النظر عن أصوات رسمية وشعبية تدعو الى وقف النار فوراً، على أمرين: أولهما ترتيب «هدنات إنسانية» تسمح بتقديم المساعدات لمليوني إنسان في القطاع وإطلاق بعض الأسرى المدنيين من غير الإسرائيليين. وثانيهما البحث بين أميركا وأوروبا ودول عربية والأمم المتحدة في سيناريوات «اليوم التالي» في غزة بعد الحرب. وهي سيناريوات بعضها خيالي، وبعضها الآخر صعب وغير مضمون النجاح. ولكن الكل يعرف أن «اليوم التالي» ليس في غزة وحدها. هو، بقوة الأشياء، ممتد الى «اليوم التالي» في الضفة الغربية، وفي إسرائيل، وفي لبنان، وفي إيران ودول عربية عدة.

فضلاً عن أن السيناريوات، على تعددها وتناقضها، تدور في اتجاه واحد كما لو ان نتائج الحرب محسومة: حكم غزة بعد «حماس». وهذا بيع سمك في بحر. فالتصور السائد لدى «حماس» و»محور المقاومة» هو أن العدو الإسرائيلي وقع في فخ لن يخرج منه إلا مهزوماً بالمعنى الإستراتيجي مهما يكن حجم الدمار والتوحش ضد المدنيين في القطاع. وحسب هذا التصور، فإن «اليوم التالي» في غزة وخارجها هو يوم ضمان أن يكون مستقبل المنطقة لـ»محور المقاومة». إسرائيل بدأت حرباً برية تحت القصف الجوي المنهجي التدميري من دون ان تكون لديها كما ترى واشنطن، «إستراتيجية خروج» من غزة. وليس لدى «حماس»، بطبائع الأمور، لا نية ولا استراتيجية خروج من غزة بل إستراتيجية مقاومة وصمود.

واللعبة نفسها تقريباً في لبنان، حيث الجبهة الأقوى المفتوحة في مساندة غزة. فالمنطق البسيط يقول إن تحديات الظروف الحالية تفرض المسارعة إلى ملء الشغور الرئاسي وتأليف حكومة قادرة على اتخاذ القرارات وملء المراكز الشاغرة في الجيش ومصرف لبنان والإدارة، ليكون لبنان جاهزاً للمرحلة المقبلة في المنطقة ولاعباً بين اللاعبين لا مجرد «ساحة». وهذا لم يحدث بكامل الوعي والأنانيات والخلافات والتحالفات لدى التركيبة السياسية والميليشيوية. وما يتحكم بنا هو المنطق المعقد الذي خلاصته ان على لبنان إنتظار مشهد «اليوم التالي» في المنطقة بعد حرب غزة ليأتي تركيب السلطة على صورة المشهد ومثاله. مشهد انتصار هذا المحور او ذاك وجلوس في العراء فوق أزمات مالية واقتصادية واجتماعية خانقة. وبيع سمك في بحر ايضاً.

يقول أمروز بيرس في كتابه «قاموس الشيطان»: الحروب هي طريقة الله لتعليم الأميركيين الجغرافيا». لكن الحروب في الشرق الأوسط تبدو طريقة الكبار لتعليم الشعوب «التخندق» في التاريخ.

نقلا عن نداء الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط