العربى التائه فى دوائر الاستقطاب!

هاني نسيرة
هاني نسيرة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00

ربما أهم ما يميز السنوات الأخيرة فى العالم العربى هو حدة الاختلاف واتساع هوته، وشدة الاستقطاب بين تياراته وممثليه وأفراده، هنا وهناك، وما من حدث مفصلى يمر، كأحداث غزة الأخيرة الدائرة، إلا ونلاحظ أعراض هذا المرض من انتشار خطابات واتهامات التخوين والقطيعة وغيبة المشتركات، فضلًا عن حدة وهشاشة الحوار لغيبة المرجعية والحد الأدنى من المتفق عليه ليكون ثمة توافق أو اتفاق.

وسط أزماته الفردية والجماعية، الفكرية والوجدانية والمادية، يبدو العربى تائهًا، يفقد بوصلته، وقد زاد من تيهه، سيولة عارمة، وصدامات عنيفة، فى التوجهات والأفكار، سواء فى العلاقة بماضيه أو حاضره، بذاته وهويته والعالم، أو بتاريخه وواقعه، فلم تتحقق نهضته وانعكست آثاره عليه، كما لم تتحرر أراضيه، وتلف الصراعات والحروب الأهلية والبينية كثيرًا من أقطاره، ويسقط ضحاياها كل يوم هنا وهناك.

يدور منذ مائتى عام بين المقولات نفسها ويعيد تكرارها، فهو الحالم بالديمقراطية، وهو الحالم بالرفاه والعدالة الاجتماعية، وهو المطالب بالمؤسساتية، ولاتزال حروبه تتوالى هنا وهناك، وما إن تتحقق فواصل زمنية قصيرة يعرف فيها هذه المقولات الحداثية، كما كان فى مصر عقب دستور سنة 1923 أو فى سوريا قبل انقلابات سنة 1949، وما تحقق فى فترات عديدة من حرية الصحافة وقوة وتأثير المجتمع المدنى، ومركزة وشرعنة مسألة حقوق الإنسان، فى بلاد عربية عديدة داخليًا، وخيار السلام استراتيجيًا كحل للصراع الأبدى مع إسرائيل، حتى تعود القضايا والإشكالات المعضلات من جديد تعيدنا جميعًا للكرة الأولى، وكأن ما حدث لم يحدث، وما تم اجتيازه لم يُجز، وما قطعه المسير لم يُقطع، مع ذاكرة مثقوبة لا تبنى على سابقتها بل تلوكها كأنها خارجية وشىء جديد لم يحدث من قبل.

وعلى المستوى الفردى والعام، ومع ثورة المعلومات ومجتمعاتها ووسائلها المتاحة، التى تتعدد منصاتها وقنواتها، يعانى العربى التائه فى مواجهة قناعاته وكم المعلومات والأسئلة المعروضة عليه، والمطاردة إليه، من أسئلة العقائد إلى أسئلة الحرية إلى أسئلة التاريخ وأطروحات غريبة عليه صارت تجد من يعبر عنها ويدافع عنها هنا وهناك بعنف وتطرف، دون ضبط ودون حوار حقيقى يعقلن سيل المعلومات والقيم الداهم الذى يهدد قيمه وهويته، ولا تنضبط فيه الأفعال أو ردود الفعل.

واجتماعيًا، مع نشوة منتوجات الحداثة التى لا تنتجها، والطلب المتزايد على رفاهية أنماط العيش والحياة، انتشرت سلوكيات الطموح المتزايد، وعدم الرضا والقناعة، وانتشرت المشاكل الاجتماعية من الطلاق والخيانة والعنف الأسرى، العدمى أحيانًا كثيرة، وفقدت الأسر كثيرًا من تقاليدها، وانتشرت أنماط جديدة متوحشة من العلاقات تقوم على الأنانية والمصلحة أحيانًا كثيرة.

وغلبت عزلة فردانية نتيجة إدمان السوشيال ميديا، وتأثيرها الشعورى واللاشعورى على ناشطيها والمؤثرين فيها، الذين يجدون أنفسهم فى إطلاق أحكامهم وانطباعاتهم حولها، ويشعرون بأمانهم وأمنهم فى صفحاتها وحساباتها، خاصة مع تراجع الفعالية والحيوية الاجتماعية حتى فى أبسط صورها التقليدية من التواصل والاتصال واللقاء بين الأهل أو الأصدقاء، فضلًا عن تراجع أداء المجتمع المدنى والأهلى فى العقد الأخير.

بينما سياسيًا، نلاحظ غلبة التوجهات القطرية والانعزالية المنفصلة عن الهوية الثقافية للعرب والناطقين بالعربية، وتحولها قطرية متعصبة لا تعبأ بغير القطيعة والمعاداة لغيرها من العرب، قد تجسدها مباراة كرة يشتبك فيها جمهور الفريقين المتنافسين، وقد تجسدها مسألة سياسية اختُلف حولها بعد أن كان مجمعًا عليها مثل القضية الفلسطينية!

انتهت مقولة النظام العربى وتراجعت أفكار الهوية العربية الواحدة، وأحلام الوحدة التى سيطرت فى الخمسينيات والستينيات، ولم تنجح فى إقامة معمار واحد ناجح لها، حتى أنه لم يعد يحلم بها أحد وإن ادعى الإيمان بها الجميع.

كذلك صار العربى التائه يعانى فى علاقته بدينه، الذى تصاعدت فى العقد الأخير دعوات تجديده دون تجديد حقيقى، فمازالت الاتجاهات والمؤسسات تتصارع على احتكار شرعية الحديث باسمه، دون أن ينجح الجميع فى التمكين لمصالحة عامة بين المقدس والتاريخ، وبين المطلق والنسبى، والثابت والمتغير فى فهمه، فضلًا عن هجمات شرسة من كل فريق على آخر، خاصة مع تشوه صورة الإسلام بفعل عمليات الإرهاب خارجيًا، وصعود الإسلاموفوبيا فى الغرب، وأزمة شعبويته التى جسدتها جماعات الإسلام السياسى منذ عام 2011، حين اتخذته وفقط مطية للسلطة والتسلط أو مبررًا للصراع العنيف عليها واستهداف المجتمعات والأنظمة من أجلها.

مازالت حداثة العرب عالقة تائهة، ولايزال العربى تائهًا معها، يمارس التعصب لكل جهة يذهب إليها، ولمصلحته الفردية والخاصة أحيانًا كثيرة، ويمارس التعصب تجاه آخريه، فى استقطاب حاد يناسب حالتها ويلائمها، مع سيولة عارمة، ترميه فى كل اتجاه بين فينة وأخرى، سيولة لا تنضبط بثوابت قديمة أو جديدة، ولا قيم كانت من سماته وعاداته قديمًا فى حسن الحوار والخطاب وأدب الاختلاف، وهكذا يبدو تيه الخطاب والاستقطاب الحاد حول أحداث كأحداث غزة أو غيرها.

نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط