أوروبا الضّعيفة
قبل عامين نشر المؤرخ والفيلسوف السياسي لوك فان ميديلار كتابه المرجعي "الصحوة الجيوسياسية لأوروبا"، مجادلاً فيه حول أوروبا بوصفها مكوناً سياسياً مركزياً في العالم، مختلفاً من حيث التكوين والهدف عن المكوّنات الأخرى، الأميركية والصينية والروسية، وبأن للقارة القديمة هويتها التاريخية والثقافية الخاصة، وهي أرض خصبة لتشكل سردية ذات خصوصية. ولكن ما لا يزال ينقصها هو الإرادة أو القدرة لدى مكوّناتها القطرية على إعطائها شكلاً سياسياً. أي بناء ما يسميه فان ميديلار بـ"أوروبا الجيوسياسية".
وفي الفصل المخصص للعلاقات بالولايات المتحدة الأميركية، يرى المؤرخ أنه عندما تحول الولايات المتحدة أنظارها نحو الصين وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ الهندية، تجد أوروبا نفسها على "حواف أوراسيا". وهنا يبرز وضع يسميه بـ"الوحدة". أي أنه للمرة الأولى تجد أوروبا نفسها وحيدة بلا حارس أميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وضمن منظور مختلف يعتقد أن هذه العزلة الأوروبية عن الحليف الأميركي يمكن أن تشكل عامل قوة أوروبياً. أو بعبارة أخرى، إن أوروبا الأكثر جيوسياسية تتطلب بطبيعة الحال عدداً من التدابير العملية والاستثمارات والطاقة الدبلوماسية. علاوة على ذلك، ولكي تتمكن من الهروب من الملزمة الاستراتيجية التي تفرضها عليها الولايات المتحدة ــ وبخاصة بسبب الدولار وقربها من روسيا ــ فسوف يحتاج الأوروبيون إلى تحرر سردي مواز. أي بناء روح أوروبية مستقلة. هذه الصورة الحالمة التي يرسمها لوك فان ميديلار ظلت صالحةً حتى الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 2022، تاريخ دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا.
منذ ذلك الوقت، عادت واشنطن دفعةً واحدةً إلى مواقعها الأوروبية القديمة، وأصبح الهدف الفرنسي باستقلالية أوروبية تجاه واشنطن مجرد حلم صعب التحقق. خسر الأوروبيون فرصة تاريخية في بناء كيانهم الجيوسياسي المستقل، والذي كان من الممكن أن يكون عنصر توازن في الكثير من الصراعات الدولية. اليوم في فلسطين، يظهر بوضوح الضعف الأوروبي تجاه أميركا. تدير واشنطن مواقف الغرب حزمةً واحدة في مصلحة الجانب الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تريد لعب دور الوسيط بين إسرائيل والجانب الفلسطيني، في صراع تشارك فيه على نحو غير مباشر بالسلاح والعتاد والقوة الدبلوماسية إلى جانب تل أبيب. أما الاتحاد الأوروبي، فيبدو مفككاً، بين دول تتابع واشنطن من دون توقف نقدي، ودول تدافع عن تقليد أوروبي في المراهنة على حلّ الدولتين، ودول أخرى متذبذبة المواقف.
قبل أسابيع كتب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل، تحت عنوان "ما يدافع عنه الاتحاد في غزة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، شبه عقيدة سياسية يقول فيها: "في مواجهة الحرب ضد أوكرانيا، أظهرت أوروبا وحدتها وسرعان ما ارتقت إلى مستوى مسؤولياتها. لقد دعم الاتحاد الأوروبي أوكرانيا اقتصادياً وعسكرياً على نطاق واسع، وسوف نستمر في القيام بذلك ما استغرق الأمر ذلك. الصراعان مختلفان تماماً من حيث أسبابهما والجهات الفاعلة. ومع ذلك، فهي مرتبطة أيضاً. ويرجع ذلك أساساً إلى الاشتباه في تطبيقنا لمعايير مزدوجة في مسائل القانون الدولي بين أوكرانيا وإسرائيل وفلسطين، لا سيما من قبل بلدان ما نسميه الجنوب العالمي، وعلينا أن نثبت بأقوالنا وأفعالنا أن هذا الاتهام باطل".
رغم وعي بوريل بنظرة دول الجنوب، ومن بينها العربية، للسياسات الأوروبية المزدوجة المعايير، وكذلك وعيه بالجذور البعيدة للصراع، والتي طرح بعضها في عقيدة الاتحاد، لا سيما بما يتعلق بالدور الأميركي السلبي وكذلك سياسات الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية، إلا أنه لم يكن ملتزماً بأن يثبت قولاً وفعلاً أن اتهامات الجنوب العالمي لأوروبا باطلة، إذ تؤكد السياسات الأوروبية في الصراع الدائر اليوم – باستثناء إسبانيا وبلجيكا – هذه الاتهامات. لكن توضح أكثر من أي وقت مضى فكرة شائعةً في دوائر التحليل السياسي والاستراتيجي وهي التبعية الأوروبية المتزايدة لواشنطن، وعجز الاتحاد الأوروبي، بتكوينه الكونفدرالي، عن التحرر من الهيمنة الأميركية.
وبالعودة إلى كتاب المؤرخ والفيلسوف السياسي لوك فان ميديلار، نجد أن الفصل الأخير يقدم وصفة عملية لكيفية دخول أوروبا التاريخ، من خلال بناء سردية جامعة، أو ما يطلق عليه الكاتب "الروح الأوروبية" التي يعتقد أنها يجب أن تخرج من حيز الخطاب لتأخذ شكل "الاستراتيجية الكبرى"، التي توضح أهداف الدولة ووسائلها. وبإعادة صوغ صيغة شهيرة لكارل ماركس، يمكننا القول إن الاستراتيجية الكبرى تسمح لنا بتفسير العالم تغييراً أفضل، في حين أنها أيضاً أداة لتحويله. ويرى أن هذه المهمة لا تقع على عاتق الأكاديميين أو مؤسسات الفكر والرأي فقط؛ ويجب أيضاً وقبل كل شيء أن يتم إنجازها وتجسيدها على أعلى مستوى سياسي. وبقدر ما تحمل نظرية فان ميديلار من تماسك على المستوى النظري، إلا أنها متناقضة على نحو واضح. أولاً من خلال التجربة، حيث تبخرت هذه "الروح" فجأة عشية الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 2022 وأصبحت أرواحاً متفرقة، إذ لم يكن موقف أوروبا الموحد ضد روسيا قائماً على الوحدة الروحية للقارة، والبرهان على ذلك العودة القوية لواشنطن إلى الساحة الأوروبية، لا كمجرد داعم، بل كقائد للأوروبيين في مواجهة الروس. وثانياً قول فان ميديلار الواضح بأن الاستراتيجية الكبرى تلك التي "توضح أهداف الدولة ووسائلها"، وهو بذلك يضع اليد على موطن الخلل الأصلي وهو الطبيعة السياسية للكيان الأوروبي الكونفدرالي المكون من دول ذات سيادة، ما يجعل استحالة بناء هذه الروح الأوروبية والكيان الجيوسياسي الموازي للولايات المتحدة والصين يبدو أمراً بعيد المنال. ذلك أن من ضرورات بناء الإمبراطورية الوحدة السياسية والتكوين السياسي الفدرالي الضامن للحد الأدنى من المركزية.
نقلا عن "النهار"