رتن الهندي.. المحدثون الكاذبون
في فترة من فترات التاريخ الإسلامي أي في فترة ما بعد تابعي التابعين، انتشرت رواية الحديث النبوي وكثر البحث عنه وسماعه مسلسلا من أفواه الرجال، وكثر الكذب والزيف والتدليس وكثر الكاذبون والواهمون والضعفاء، وظهرت علوم جديدة مرتبطة بعلم رواية الحديث من حيث متن الحديث وسنده، وكثرت كتب الحديث من مسانيد وسنن ومستدركات.
وأنا لا أظن أن هناك علما في تراثنا الإسلامي خدم مثل علم الحديث، فعلم الرواية وعلم الحديث ساد جميع العلوم والبحث عن الحديث خصوصا. وأن رواية الحديث قد شابها الكثير من ممارسات العامة وتوجهاتها لدرجة الطرافة والملح ،ولأن الاستسلام المطلق لدلالة الحديث وفقهه أوجد حالة عامة من حنين لبيئة جمع الحديث وإجرائيات تدوينه. فبعيدا عن بيئة دلالة الحديث كنص مقدس له شروط دلالية أصيب جماعات أهل الحديث عامةً بحالة من الهوس بسير علماء الجرح والتعديل.
مثل الجرح والتعديل الذي كان يمارسه طلاب يعانون من حالة الهوس بسير علماء الحديث الأوائل وجهودهم في جمع الحديث وتدوينه وإخضاع رواته لعلم الجرح والتعديل وتلبستهم حالة الماضي لدرجة أنهم في هذه الأيام ونحن في القرن21 الميلادي قام أحد مشايخ الحديث بممارسة الجرح والتعديل مع أو ضد معاصريه وكأننا في عصر الإمام البخاري أو الإمام مسلم أو أبو حاتم الرازي وغيرهم من أعلام علماء الحديث أو الجرح والتعديل وهم كثر جدا.
من الأمور التي تسبب بها هذا الهوس برواية الحديث بعلو، أي بقلة من الرواة وقرب من الرسول أو الصحابي ومع تباعد السنين لم يعد هناك حديث عالي رواية لانقطاع الرواية بالإسناد منذ القرن السادس تقريبا، أما علو الأسانيد فقد انتهى قبل ذلك بمدة إلا أن الهوس بالرواية والعلو استمر حتى العصور المتأخرة وتمثل ذلك في: الرواة الكاذبون المعمرون أو الرواية عن الجن، ومن أشهر "الرواة الكاذبون" رتن الهندي، هذ الرجل عرف في القرن السادس الهجري كرجل معمر دعا له الرسول بطول العمر، روى عن الرسول أحاديث، وروى عنه المهووسون كصحابي يترضون عنه. وترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال وتاريخ الإسلام، يقول الذهبي في الميزان: (( رتن الهندي.
وما أدراك مارتن! شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون.
وهذا جريء على الله ورسوله، وقد ألفت في أمره جزءا.
وقد قيل: إنه مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
ومع كونه كذابا فقد كذبوا عليه جملة كبيرة من أسمج الكذب والمحال)).
وقال في تاريخ الإسلام (( رَتَن الهنديُّ. [المتوفى: 632 هـ]
الّذِي زَعَموا أنّه صحابيٌ.
...قلتُ: من صدقَ بهذه الأعجوبَة وآمَنَ ببقاءِ رتن، فما لنا فِيهِ طبٌ، فليُعْلَمْ أنَّني أوَّل مَنْ كذَّب بذلك، وأنني عاجزٌ منقطعٌ معه فِي المناظرةِ. وما أبعدُ أن يكون جنيٌ تبدى بأرضِ الهند، وادعى ما ادعى، فصدقوه؛ لأنَّ هذا شيخٌ مفترٍ كذابٌ كَذَبَ كَذْبةً ضخمةً لكي تنصَلِح خابيةُ الضياع وأتي بفضيحةٍ كبيرةٍ، فوالذي يُحْلَفُ بِهِ إنَّ رتن لكذابٌ قاتلُه اللَّه أنَّى يُؤْفكُ. وقد أفردتُ جزءًا فِيهِ أخبارُ هذا الضالِّ وسمَّيتُه: " كسر وثن رتن".))
وقد ذكر في ميزان الاعتدال مجموعة مثل رتن الهندي من مدعي الصحبة كذبا مثل
((الربيع بن محمود الماردينى.
دجال مفتر، ادعى الصحبة والتعمير في سنة تسع وتسعين وخمسمائة.))
و(( المظفر بن عاصم.
قال ابن الجوزي: زعم أنه أدرك بعض الصحابة، فكذب.
قلت: حدث بسامرا بعد العشرين وثلاثمائة، فقال: حدثني مكلبة بن ملكان بخوارزم في آخر أيام بني أمية، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر خبرا مفتعلا)).
وغيرهم جمع من الممكن مراجعتهم في ميزان الاعتدال ولسان الميزان وغيرهما من كتب الجرح والتعديل.