"السوشيال ميديا" حامية حقوق أحياناً!

 ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في الأسبوع الماضي، كان لدينا دليل جديد على فاعلية "السوشيال ميديا" وقدرتها المتزايدة على معالجة بعض المظالم الاجتماعية، بل وحث السلطات على اتخاذ قرارات في محاولة لإقرار القانون وتحقيق الإنصاف.

حدث ذلك، عندما بثت سيدة من محافظة قنا فيديو على وسائط "التواصل الاجتماعي"، تظهر خلاله، بصحبة بناتها، في مواجهة شخص بدا أنه يحتل منزلها بقوة السلاح، ويرفض إخلاءه.

في هذا الفيديو، الذي شوهد على نطاق واسع، ظهر أن هذا الشخص الذي يحمل السلاح يهدد هذه السيدة، ويرفض تماماً مغادرة المنزل، بل ويرهبها أيضاً بإطلاق عيار ناري في الهواء.

يبدو أن هذه السيدة أدركت تماماً الطاقة التأثيرية المتنامية لوسائط "التواصل الاجتماعي"، وبناء على ذلك فقد سعت إلى استخدامها بنباهة لافتة، وحين قامت ببث هذا الفيديو، حدث ما توقعته تماماً، فقد تحركت قوى الأمن، وقامت بضبط الشخص المعني، وزميله، والسلاح المُستخدم في الواقعة.

والشاهد أن هذا الدور الذي لعبته "السوشيال ميديا" في واقعة "سيدة قنا" يبدو مشابهاً تماماً لدور "أمين المظالم"، وهو دور قانوني وحقوقي يحظى بأهمية كبيرة في كثير من البيئات والمجتمعات التي تحترم القانون وتعتني بإنفاذه.

ففي محاولة للسعي إلى إقرار العدالة وإنصاف المظلومين وتوفير حق الشكوى ضد الممارسات المُجحفة، تُرسي بعض الدول في مناطق مختلفة من العالم أنظمة لتلقي الشكاوى والادعاءات وبحثها واتخاذ إجراءات بشأنها، اعترافاً منها بإمكانية أن يقع التقصير في أداء سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية في بعض الأحيان.

لا يمكن الحكم على مدى صدق نوايا معظم تلك الدول بخصوص سعيها لإقرار العدالة بطبيعة الحال، كما لا يمكن تصور أن تكون تلك الأنظمة كلها منصفة وقادرة على الفعل، خصوصاً إذا تقاطع عملها مع سلطات شرعية تستمد صلاحياتها من الدساتير والقوانين المستقرة، لكن الأكيد أن توفير آلية للشكوى والتحقيق، يمكن أن يحد بقدر ملموس من حجم المظالم التي تقع في كل عصر وفي كل مكان.

تتخذ تلك الأنظمة أشكالاً مختلفة، وتتنوع درجات صلاحياتها وأساليب عملها، وبينما يسميها البعض "ديوان المظالم" كما في بعض الدول العربية، يطلق عليها البعض الآخر مسمى "الأمبودسمان" (أمين المظالم) خصوصاً في الدول الاسكندنافية، فيما يسميها آخرون "حامي الحقوق" كما في فرنسا.

عندما تصل الشكوى إلى أي من هذه الأنظمة، يبدأ التحقيق فيها عبر آليات قانونية، وفي معظم الأحيان ستتمكن هذه الأنظمة من مخاطبة السلطات المنسوب إليها التقصير أو ارتكاب الخطأ، وفي بعض الأحيان سيجري تصحيح الأوضاع وإنصاف المظلوم، وسيحدث هذا وفقاً لمدى وجاهة نظام المظالم وقدرته على العمل باستقلالية، ومدى احترام السلطات الدستورية لدوره وتقديرها لأهميته.

وفي دولة مثل مصر، التي يفوق تعداد سكانها المائة مليون، وتتراكم فيها المشكلات الناجمة عن تضارب المصالح بين المواطنين بعضهم البعض من جانب وبين المواطنين والسلطات من جانب آخر، يحتاج الأمر إلى تعزيز صيغة "الأمبودسمان" أو "حامي الحقوق" أو "ديوان المظالم"؛ وهو أمر قد يستلزم عملاً تشريعياً.

ولأن استحقاقات السياسة وتسيير مصالح الناس ومعالجة انشغالاتهم لا تقبل الفراغ، فقد أفرزت الثورة الاتصالية والتكنولوجية الهائلة، التي أنتجت وضعاً فريداً لوسائل التواصل الاجتماعي، "ديوان مظالم" مصرياً مكتمل الأركان، وقد بدا في بعض الأحيان كامل الصلاحيات وبالغ التأثير والنفاذ.

إنها "السوشيال ميديا"، التي باتت مجالاً لبث الشكاوى، والتعبير عن المظلومية، وكشف الأخطاء، والمطالبة بالحقوق المفترضة، والضغط على السلطات لحملها على معالجة أوضاع معينة.

وبسبب اللجوء إلى "ديوان المظالم" المصري، الذي اتخذ من "السوشيال ميديا" مقراً له، تم اتخاذ قرارات، وإصدار قرارات، وإزالة مظالم، وتعديل سياسات، ومكافأة مُجيدين، واقتياد متهمين مفترضين إلى النيابة.

في بعض الحالات التي نجح فيها "ديوان مظالم السوشيال ميديا" المصري تحققت العدالة بقدر ملموس والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن في غضون ذلك ظهرت أنماط استخدام مسيئة، ومبالغات، واصطناع، وعمليات تزوير وابتزاز؛ وهو أمر يمكن فهمه في إطار إدراكنا لطبيعة عمل تلك الوسائل، التي تتسم بالحرية المطلقة أحياناً، وقدرات التزييف الفائقة في أحيان أخرى.نحتاج إلى إرساء آلية ديوان المظالم أو حامي الحقوق على الأرض، لأن تركها لـ"السوشيال ميديا" وحدها يمكن أن يجلب عواقب سيئة.

الدور الذي تلعبه "السوشيال ميديا" في إلقاء الضوء على بعض المخالفات والانتهاكات القانونية، ورد الحقوق إلى أصحابها، ومعاقبة المُسيئين، مهم وحيوي وإيجابي، وتقنينه وتحويله إلى عمل مؤسسي يخضع لرقابة وتقييم مستمرين عمل لا يقل أهمية وإيجابية.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط