معنى «نهاية التاريخ» اليوم
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
التاريخ لا ينتهى. العصور هى التى تنتهى, ويبدأ بعد كٍل منها واحد جديد. هذا ما أدركه فرنسيس فوكوياما متأخرًا بعد أن أفاق من نشوة انتصار الغرب فى الحرب الباردة الدولية. لم تكن لديه شجاعة النقد الذاتى, فلم يُراجع ما تخيله فى كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الصادر عام 1992 عن دار «Free Press». ولكنه تراجع عنه فى كتاباتٍ تالية كان أكثرها وضوحًا فى هذا الشأن مقالته «مستقبل التاريخ» المنشورة فى عدد يناير 2012 من دورية «فورين بوليسى».
كانت لحظة رعونةٍ ونزقٍ تلك التى تخيل فيها أن هناك نهايةً للتاريخ لا بداية أخرى بعدها. ولهذا لم يتمسك بما تخيله حين اصطدم بالواقع المُر، فعدل عن اعتبار أن التاريخ انتهى عند النظام المُسمى ليبراليًا, ولكنه بقى مؤمنًا بأنه يبقى الأفضل حال إصلاحه كما يتضح فى كتابه الصادر عام 2022 «الليبرالية ونقادها الساخطون». غير أن هذا الذى يؤمن به يصلُ إلى نهايته الآن, ومعه عصرُ كاملُ يلقى حتفه فى قلب الجرائم الهمجية فى قطاع غزة. فليس فلسطينيون فقط هم من يرحلون عن عالمنا بفعل آلة القتل الصهيونية- الأمريكية بل العصر الحديث أيضًا.
ليست للتاريخ نهاية. ولكن لكل عصرٍ نهاية. وهذه هى نهايةُ الحديث، الذى يقتُله همجُ لبسوا لوقتٍ طويلٍ ثياب التحضر.
يقتلونه بواسطة أفكارٍ عنصرية تجذرت وأسلحةٍ مُدمرةٍ اختُرعت خلاله. نشهدُ اليوم العصر الذى بدأت مُقدماته الأولى فى القرنين 15 و16، وظهرت ملامح نزعته الإنسانية تدريجيًا، إلى أن ضُمِنت فى مواثيق ومعاهدات واتفاقات لحماية حقوق الإنسان. استمر انتهاك هذه الحقوق بأشكالٍ ودرجاتٍ مختلفة، ولكن كان على من ينتهكونها أن يخترعوا مبرراتٍ تبدو مُتماسكةً شكليًا لممارساتهم.
هذه الحقوق لا تُنتهك الآن فقط، بل تُقتلُ وتُدفن تحت الأنقاض فى غزة، ومعها الإنسانُ الذى لا يتميز عن الكائنات البشرية الأخرى إلا بضميرٍ يقظٍ حى. هذا الإنسان أصبح قليلاً فى العالم اليوم مع دخول العصر الحديث نهايته، فى الوقت الذى يفيضُ الكوكب بجحافل البشر وقُطعانهم.
نهايةُ التاريخ اليوم تعنى نهايةُ التاريخ الحديث ومبادئه الإنسانية.
نقلاً عن "الأهرام"