توريث الوظائف العامة

حمدي رزق
حمدي رزق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00

أرْسَت المحكمة الدستورية العليا مبدأً دستوريًّا مهمًّا، عنوانه «حق المواطنين فى شغل الوظائف العامة على أساس الكفاءة دون محاباة»... مبدأ دستورى عظيم يعنى بالكفاءة مجردة، ويمحق المحاباة المقيتة، التى هى أحد الأمراض التى يعانى منها الجهاز البيروقراطى ضمن جملة من الأمراض المزمنة والسارية، التى حرمت الدولة من كفاءات أهدرت بفعل سبل المحاباة والوساطة، ونحن فى أمَسّ الحاجة إليها.

المحاباة مرض من أمراض الوظيفة العامة، وتترجم فى المعجم اللغوى، إعطاء أحد المتماثلين أكثر من الآخرين بغير وجه صحيح، بالواسطة، بالقرابة، بأشكال شتى ابتدعها كبار الموظفين لصالح أبنائهم وأحفادهم.

توريث الوظيفة العامة بات مرضًا مستعصيًا من أمراض البيروقراطية العريقة فى اغتيال الكفاءات، وما نزيف العقول إلا عرَض لهذا المرض، الذى يشبه السرطان يتغذى على الخلايا الحية فى المجتمع، ويكلفنا ما لا طاقة لنا به من إهدار للثروة البشرية المؤهلة ذات الكفايات والجودة.

الحكم الذى لفتنا إليه المستشار «بولس فهمى»، رئيس المحكمة الدستورية العليا، فى كلمته فى مؤتمر المحكمة الدستورية الأخير بعنوان «قضاء المحكمة الدستورية العليا فى ضوء المستحدث من أحكام دستور ٢٠١٤، والذى يأتى متزامنًا مع مرور ١٠ أعوام على صدور الدستور (من موقع صدى البلد).

الحكم المشار إليه، يعنى بالكفاءة، ويُعليها عما سواها، ويُجليها، ويضعها فى أعلى عليين، وفى التحليل الأخير يمنع توريث الوظيفة العامة.

إشارة الفقيه الدستورى الكبير بمثابة تنوير على القاعدة الدستورية التى أقرتها المحكمة الدستورية فى الحكم الصادر فى الدعوى رقم ٨٩ لسنة ٤٢ قضائية «دستورية»، بجلسة ٤ يونيو ٢٠٢٢، ويعلم بها الغافلون، ونحن عنها غافلون فعليًّا، وهناك مَن يستثمر فى غفلتنا، ويعمد إلى توريث الوظائف العامة تحت مظنة الجهل بالقاعدة التى تعنى بالمساواة وتمحق المحاباة.

المستشار بولس يعلم المجتمع بأن شغل الوظائف العامة على أساس الكفاءة دون محاباة، وهذا المبدأ الذى جرى تجاهله طويلًا، منصوص عليه دستوريًّا، ورد نصًّا فى المادة الرابعة عشرة من الدستور، وبناء على هذا المبدأ الدستورى قضت المحكمة بعدم دستورية تشريع يقرر أفضلية خاصة لأبناء العاملين فى الجهة التى يحكمها ذلك التشريع بالتعيين فيها.

المحكمة فى أسباب حكمها قالت: «إن النصَّ الطعينَ يتضمن تمييزًا تحكميًّا، لا يستند إلى أسس موضوعية، ذلك أن الانتماء الأسرى لا يمثل مزية استثنائية تمنح صاحبها معاملة تفضيلية فى شغل الوظائف العامة، التى لا يكون شغلها إلا على أساس الكفاءة، ودون محاباة».

الحكم يعالج أحد الأمراض المزمنة، التى أصابت الجهاز البيروقراطى، الذى دأب اجتراء على تسييد حق أولاد الموظفين فى الوظيفة تفضيلًا عما سواهم، فى افتئات صارخ على مبدأ المساواة، الذى هو من الحقوق الأساسية للمواطنين، ويعالج ثغرة ينفذ منها ما يسمى وظيفة وضع اليد، وترجمته توريث الوظائف العامة فى سياق نسق توريثى صارخ، للأسف سلو بلدنا التوريث، وآفة حارتنا النسيان، التغافل عن المبادئ الدستورية الحاكمة.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط