عندما يكون "الرد غير المناسب" تصعيداً خطيراً

رشا العزاوي
رشا العزاوي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

بدأت ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن، بانسحاب من أفغانستان كان فوضويا لكن جو فاخر به، لأنه وعد قطعته إدارته ضمن سياسة الولايات المتحدة الحديثة لإنهاء الحروب طويلة الأمد.

ومع مواجهة الولايات المتحدة لصعوبات اقتصادية في الداخل، واستنزاف الجبهة الأوكرانية وخلافات مع الحلفاء حول تمويل عمليات الردع في الناتو، لم تعد لدى الأميركيين الرغبة في المزيد من الصراع.

لكن الانخراط السريع لإيران في التصعيد بالشرق الأوسط قد يجبر الولايات المتحدة في نهاية المطاف على الاختيار بين صراع تقليدي أو حرب استنزاف طويلة.

الآن أفضل من الغد، وليست جميع الأزمان مناسبة.

قدر البنتاغون حملة تحشيده في الشرق الأوسط خلال 100 يوم ومنذ السابع من أكتوبر بأكثر من 1.6 مليار دولار لا تشمل ردع الحوثيين لكنها تغطي تكاليف 7 ضربات جوية شنتها ضد جماعات موالية لإيران في العراق.

تنظر طهران بفخر لتوريط واشنطن في دوامة محاربة أشباحها فيما تستمتع ببعثرة الخطوط الأميركية الحمراء.

بينما يتسيد البيت الأبيض المشككون بجدوى العمل العسكري المباشر ضد إيران، الذين فشلوا في تقدير الخطر الحقيقي الذي قد تشكله على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط والمنطقة ككل منذ عهد أوباما.. مستسلمين تماما للدعاية الإيرانية بأن عواقب الهجوم المباشر ستكون أسوأ من تلك التي قد تترتب على تمادي إيران بنشر الفوضى بحرا وبرا وجوا.

اختارت إدارة بايدن سياسة الردع لكنها غير مفهومة حتى الآن.. فالردع غير المجدي يأتي بفاتورة أكبر من ثمن العمل العسكري الخاطف، ولم يأت بنتيجة.

نشر وحدات بحرية وبرية وحاملات طائرات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، والاحتفاظ بقوة كبيرة في المنطقة ربما تبقى لعقود قادمة. وإلى جانب تلك القوات، سيتعين على الولايات المتحدة أن تنشر بشكل دائم أصولًا استخباراتية كبيرة لمراقبة إيران وفصائلها.. وسوف تحتاج أيضاً إلى تخصيص مليارات الدولارات لحماية حلفائها. بالإضافة للكلفة الباهظة للعمليات العسكرية ضد الفصائل الموالية لإيران.

وبعبارة أخرى، لاحتواء إيران، ستحتاج الولايات المتحدة إلى استثمار كبير في رأس المال السياسي والعسكري في الشرق الأوسط في خضم بدء التعافي من أزمة اقتصادية ورغبة منعدمة في الداخل للمضي قدما في حرب الاستنزاف هذه.

الردع غير المجدي يأتي بتكاليف اقتصادية وجيوسياسية هائلة ليس على الولايات المتحدة وحدها بل منطقتنا بأسرها، إنه يترك دولا مثل العراق وسوريا وربما الأردن مستقبلا ساحات مفتوحة للمواجهة الإيرانية الأميركية تجنبا "للتصعيد المباشر" ويهدد باستهداف أصول أميركية أخرى في المنطقة وفق حسابات سياسية خاصة بإيران وحدها، والأسوأ الانتشار العسكري الأميركي المكلف قائمٌ طالما بقيت إيران معادية لمصالح الولايات المتحدة، ما يعني عقودًا من الاستنزاف واستمرار التوتر.

ونظراً لانتشار وكلاء إيران في المنطقة فإن جهد الردع غير المجدي بدأ يفشل بالفعل، وهو ما قد يؤدي إلى حرب أكثر تكلفة وتدميراً من تلك التي يأمل منتقدو توجيه ضربة استباقية لإيران في تجنبها الآن.

وللتأكد من عدم حدوث حرب شاملة بعد ضربة أميركية رادعة لإيران ولطمأنة النظام الإيراني، تستطيع الولايات المتحدة أولاً أن توضح أنها مهتمة فقط بإنهاء تهديد وكلاء إيران في المنطقة، وليس الإطاحة بالنظام.. وأن سحر طهران قد ينقلب عليها عندما تعي بأن كل عمل عسكري يشنه وكلاؤها سيتم الرد عليه في الأراضي الإيرانية وليست أي أراض أخرى.

من المؤكد ستذهب إيران نحو شن عمل انتقامي ردا على ذلك، لكنه لن يتفوق على ردها على اغتيال قاسم سليماني والذي تم بالتنسيق مع بغداد وواشنطن معا على قاعدة عين الأسد بعد استعدادها لتلقي الهجوم. ويأتي هنا الدور الأميركي الأهم في إعادة رسم الخطوط الحمراء لتفهم أن ردودها الانتقامية يجب ألا تتخطاها.

أين نقف من هذا الصراع؟

في المنطقة، نحن نحذر جميعا من العواقب الوخيمة لاتساع دائرة الصراع، لكن هل نستعد لسيناريو مماثل؟ رغبة الدول في إبعاد النزاعات والتوترات لأقصى مدة زمنية ممكنة مفهومة، لكن عندما نكون قد وصلنا إلى مرحلة اتساع الصراع بالفعل، لا قيمة لمحاولاتنا للتهدئة بين طهران وواشنطن، فهذه المحاولات ستكلفنا نحن دفع فاتورة تحجيم إيران التي كان على واشنطن أن تدفعها اليوم أو أمس أو قبل ذلك بعقد من الزمن على أقل تقدير.

كما أن الخيارات الأميركية في رقعة الرد التي حددتها إيران تدمر المكاسب الضئيلة التي حققتها واشنطن في العراق على سبيل المثال، وتهدد باشتعال الحدود السورية العراقية الأردنية ما يجر حليفا أميركيا آخر إلى دوامة الصراع وهو الأردن.

إن إبعاد واشنطن حلفاءها في المنطقة بما في ذلك الدول الخليجية والأردن وبحد أدنى بغداد يقلل من احتمال اشتعال حرب شاملة، وفيما يندفع مسؤولون في إدارة بايدن نحو إيجاد صيغ جامعة لأي عمل عسكري في المنطقة، يبدو أن التحالفات العسكرية ترفع عدد المتصارعين وبالتالي ترفع عدد الأصول المستهدفة، فيما يجب على واشنطن تحمل مسؤولية حماية أصولها الخاصة بالمواجهة المباشرة مع ما يهددها وليس باختيار أراضي دول هشة أمنيا للرد كالعراق وسوريا.

نحن نخسر الوقت، السلعة الأثمن فيما تتسع رقعة الصراع، واعتقاد البيت الأبيض أن التمادي الإيراني قد يدفع دولا عربية للانضمام في تحالف مشترك تقدير خاطئ.

لأن طهران تختار التوقيت الأكثر حساسية لكسب المزيد من الأوراق السياسية خاصة فيما يتعلق بتطوير برنامجها النووي، في خضم لحظة وصل فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى أكثر نقاطه دموية ووحشية ولإيران دور في ذلك.

في خضم هذه اللحظة، يظهر خبر بدا عابرا لشدة انشغال منطقتنا بمواجهة فصائل إيران، الرئيس الإيراني يقول سنبني في هرمزكان بجنوب البلاد محطة نووية "أكبر كثيرا" من محطة بوشهر، قبله بأسابيع، الوكالة الدولية للطاقة تقول إن إيران زادت معدلَ إنتاجِها من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60%، أي بنحو تسعةكيلوغرامات شهريا.. وأكدت أنها تراجعت عن سياسة تباطؤ الإنتاج واليوم تبلغ النسبة 69 بالمئة.

نحن اليوم نواجه سلوك إيران الطامحة للقوة النووية وفيما ننشغل بمحاربة أشباحها، تتفرغ لتطوير هذه القوة، كيف سيبدو شكل منطقتنا إن أصبحت إيران قوة نووية؟ لا أقول إنها ستقدم على عمل انتحاري، لكن قطعا ذلك الإعلان سيغير شكل منطقتنا للأبد، وسيترتب عليه زيادة التوتر إلى حد انجرارنا في مواجهة مباشرة لسنا مجبرين على دخولها إن دفعنا واشنطن إلى تحمل مسؤوليتها اليوم بدلا من الاستجابة للإلهاء الإيراني بالرد في جبهات متعددة.. ولا تشكل الهجمات السبرانية التي تهدد إدارة بايدن بتنفيذها رادعا كافيا مقارنة بالتصعيد في المنطقة، فعند الحديث عن هذا الخيار فنحن نعود إلى نقطة بداية الفشل في خطة الردع، فهل أسهمت دودة الكمبيوتر "ستوكس نت" الحاسوبية التي هاجمت أنظمة التحكم في المنشآت النووية الإيرانية، بتحييد خطر جهود التخصيب التي تبذلها طهران، كان إيقافا مؤقتا سرعان ما تعافت إيران منه. المسألة حول تنفيذ الولايات المتحدة ضربة مباشرة في إيران ليست دعوة لإشعال الشرق الأوسط بل لتجنب إشعاله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط