يأمرون الناس بالبر!

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

لم يكن هناك اختلاف بين قطاعات واسعة من الباحثين والمحللين وأفراد الجمهور أيضًا على أن التغطية الإعلامية الغربية للعمليات العسكرية فى غزة، خصوصًا فى الأسبوع الأول من اندلاعها، كانت حافلة بالكثير من الأخطاء والانحيازات التى شخصتها الأكاديميات وأدلة الممارسات الرشيدة فى مجال الإعلام المؤسسى المهنى.

ولم يكن من الصعب أبدًا إثبات تلك الانحيازات، خصوصًا ما يتعلق منها بتغييب السياق، عبر تقديم النزاع كما لو أنه بدأ يوم 7 أكتوبر، من خلال شن «حماس الإرهابية هجمات إرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين»، وما نجم عن ذلك من «قتل 1200، وأسر 240، أو احتجازهم كرهائن».

كان من السهل جدًّا سبك تلك السردية التى تبدو سهلة وواضحة وقاطعة فى الإيحاء؛ إذ يشن «فصيل إرهابى» هجومًا على «مدنيين يحضرون حفلًا موسيقيًا»، بموازاة أخبار أُشيعت آنذاك من دون أى قدر من التدقيق، عن «ذبح أطفال»، و«اغتصاب نساء»، و«استباحة المساكن الآمنة».

شاعت تلك السردية المنحرفة بكل سهولة بين أوساط الإعلام الغربى، وتناقلها الوسطان «التقليدى» و«الجديد»، بمصاحبة صور وفيديوهات، بعضها مختلق ومفبرك، وهو الأمر الذى أسس لممارسة معوجة ومنحازة، انطلقت إسرائيل تحت غطائها فى عملية وُصفت بأنها «إبادة جماعية»، تعتمد القتل والتشريد المنهجيين لسكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة.

استغرق الأمر أسابيع، حتى انتبه العالم للسياق المُغيب، خصوصًا عندما تحدث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرتش عن أن هذه الحرب «لم تأت من فراغ»، وأنها أعقبت عقودًا من طرد الفلسطينيين من أراضيهم، وحبسهم فى أكبر سجن مفتوح فى العالم، وتجويعهم، وحصارهم، وإخضاعهم لسياسات المُحتل الإسرائيلى. وفى ظل تلك السردية جاء الانحياز الإعلامى الغربى، الذى دعمته حكومات وأحزاب سياسية، أظهرت فى بداية الأحداث ميلًا قاطعًا لتبنى الرواية الإسرائيلية، وموافقة واضحة على «حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها»، وراح يتفنن فى ممارسة أنماط مختلفة لدعم الرواية السائدة.

لطالما تعرض الإعلام الغربى للنقد والهجوم على مدى عقود خلت؛ وقد حدث ذلك مبكرًا جدًّا حين ظهر الانحياز السافر لمصلحة إسرائيل فى صراعها مع العرب فى المقاربات الإعلامية الغربية، وحين تم تحصين هذا الانحياز بقوانين وقواعد تحت لافتة كبيرة براقة اسمها «معاداة السامية».

ورغم ذلك النقد والهجوم، الذى استند فى بعض الأحيان إلى ذرائع وجيهة وتمتع بأدلة دامغة، فإن هذا الإعلام الغربى لم يفقد الكثير من بريقه وتأثيره، بل ظل فى مفاصل عديدة قادرًا على الإلهام، خصوصًا عند تحقيق الاختراقات الكبرى فى كشف وقائع الفساد، وعند التصدى لنقد النظم الغربية وكشف ما قد تنطوى عليه من عوار.

وفضلًا عن ذلك، فقد تحولت الممارسات الإعلامية الرشيدة التى انطوى عليها الإعلام الغربى إلى أدلة ومعايير انتظمت فى مساقات أكاديمية، وطورت ميراثًا كاملًا من القواعد ضمن ما عُرف بـ«التنظيم الذاتى»، وهو ميراث ظل منهلًا للتعلم والتطوير فى مناطق مختلفة من العالم ومنها منطقتنا بطبيعة الحال.

لكن الإعلام الغربى تلقى عديد الضربات أخيرًا، وهى ضربات أثرت تأثيرًا واضحًا فى مصداقيته وقدرته على الإقناع، وقد توزعت تلك الضربات على مسارى الإعلام «التقليدى» و«الجديد»، حيث تورطت منابر إعلامية عديدة فى المسار الأول فى انحيازات حادة، وأظهرت ميولًا عنصرية فى تغطية الحرب الروسية- الأوكرانية، ثم فى حرب غزة، ومن جانب آخر فإن وسائل «التواصل الاجتماعى» التى تُدار بواسطة شركات غربية كبرى، وتخضع لمتابعة قانونية من الحكومات والمؤسسات التشريعية فى الغرب، تورطت بدورها فى أخطاء لا تُحصى.

من بين تلك الأخطاء ما يتعلق بشيوع المعلومات الزائفة والتضليل، وانتهاك الخصوصية، وإثارة الكراهية، فضلًا طبعًا عن الدور السلبى الخطير الذى لعبته فى مواكبة أزمة جائحة «كورونا»، إلى حد أن تلقت اتهامات أممية بمساهمتها فى مفاقمة مخاطر الجائحة وتعويق عمليات الوقاية.

لقد استدعت تلك التطورات مراجعة لافتة فى الجسم السياسى والثقافى والإعلامى الغربى، وظهرت علامات على اعتراف بهذا العوار الذى ضرب المنظومة الإعلامية بمساريها الرئيسيين، ورغم أن تلك المراجعة لم تثمر التغير الجوهرى المأمول فى هذا الصدد، فإن الاعتراف بالخلل يبدو مهمًّا وضروريًّا، وربما يعزز الأمل فى محاولات جادة لتجاوز هذا القصور.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط