في أىٍّ من هذين المذيعين تثق؟

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

فى عام 2018، أطلقت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) مذيعاً يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعى، وكان اسمه «المذيع المُركب»، لأنه اعتمد على تقنية دمجت بين التسجيل الصوتى والفيديو، فى الوقت الحقيقى، من خلال شخصية افتراضية، استطاعت أن تقرأ الأخبار بنجاح، وبطريقة لم يكشف غير المتخصّصين اختلافها عن أداء المذيع البشرى.

وعندما انطلقت تلك التجربة، لم ينتبه كثيرون إلى خطورة ما يجرى على فرص العمل البشرى فى مجال عمل المذيعين، بل إن بعض المتخصّصين راحوا يُقلّلون أهمية هذا «الاختراق»، بعدما عدوا أن ما جرى لم يتجاوز كونه «استخداماً خادعاً»، بُنى على تكنولوجيا «تعليم الآلات» البسيطة.

لكن «شينخوا» لم تتوقف عن التقدّم فى هذا المضمار، ففى شهر مارس من عام 2019، أطلقت أنموذجها المُطور فى هذا الصدد، حيث ظهرت على الشاشة مذيعة قالت إن اسمها «شين شياو مينج»، وهى ليست سوى «روبوت»، يعكس صورة بشرية مكتملة الأركان، فى حُلة وردية، وشعر قصير، وقرطين أنيقين، حيث قرأت خبراً عن وصول مندوبين إلى بكين، للمشاركة فى اجتماع برلمانى سنوى.

تقول «شينخوا» إنها ماضية فى ما بدأت فيه، وإن المذيعين الآليين باتوا جزءاً من مقدّرات الإنتاج فى مقار عملها، وإنهم «يبلون حسناً».

بعد هذا الاختراق الذى حقّقته «شينخوا»، توالت التجارب، التى أقدمت عليها وسائل إعلام فى مناطق مختلفة من العالم، واستخدمت فيها مذيعين غير بشريين لأداء تلك الوظيفة المرموقة.

ومن مذيعة اسمها «هلا الوردى»، طورها موقع «إيلاف» الإخبارى الإلكترونى، إلى مذيعة تُدعى «فضة» انطلقت عبر منصة «كويت نيوز» الإخبارية الكويتية، إلى المذيعة «هيرميس»، التى قدّمت الأخبار بطلاقة ووضوح عبر الإذاعة الرسمية اليونانية فى مايو من العام الماضى، لم تتوقف تجارب إطلاق مذيعين اصطناعيين عن الاستمرار فى هذا الطريق، الذى يمكن أن يُهدّد عالم المذيع البشرى.

وفى الأسبوع الماضى، كانت هناك تجربة جديدة فى هذا الإطار، حينما قام فريق من المذيعين الافتراضيين بتقديم حصة إخبارية امتدت لأكثر من عشرين دقيقة، عبر قناة تليفزيونية تمتلكها شركة ناشئة فى لوس أنجلوس، بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد حدث هذا بمواكبة قرارات تنظيمية قامت بها بعض المنظمات الإعلامية، بغرض الاعتماد على مذيع الذكاء الاصطناعى فى تقديم الأخبار، عبر توقيع عقود مع شركات تكنولوجية متخصّصة، فى دول مثل الهند وكوريا الجنوبية وتايوان.

ويمكن القول إنه فى غضون عدد قليل من السنوات سيضحى المذيع الافتراضى جزءاً من آليات العمل الإعلامى السائدة فى دول العالم المختلفة، خصوصاً عندما ستلجأ شركات الإعلام الصغرى ذات الميزانيات المحدودة إلى هذا الطريق، لخفض التكلفة، وتفادى عقبات التعاقد مع مذيعين بشريين معروفين من أصحاب الأسماء والرواتب الكبيرة.

وسيحدث ذلك رغم الانتقادات الكبيرة التى تستهدف توظيف المذيع غير البشرى، باعتبار أنه يفتقد إلى أحد أهم مقومات عمل المذيع؛ أى القدرة على التواصل مع الجمهور، والتأثير فيه، وتحقيق المصداقية والثقة.

ورغم أن ثقة جمهور وسائل الإعلام فى المذيعين البشريين ما زالت تتراجع فى استطلاعات الرأى الموثوقة عبر العالم، فإن بعض الباحثين المتخصصين فى علم الاجتماع الإعلامى ما زالوا يصرون على أن العلاقة التى تنشأ بين المذيع وأفراد الجمهور تظل عاملاً مهماً فى بناء الثقة المرجوة، حيث يظن قطاع من هؤلاء الأفراد أن المذيع إنما يتحدث إليهم بصفة شخصية، وأنه يشاركهم فى بناء تصوراتهم عن الأحداث واتخاذ المواقف وتكوين الآراء.

وفى استطلاع أخير أجرته شركة الأبحاث العالمية «إبسوس»، ظهر أن الثقة فى الأشخاص الذين يقدّمون الأخبار عبر وسائل الإعلام البريطانية سجّلت نسبة 42%، بتراجع بلغ 16 نقطة خلال عام واحد، وهو انخفاض كبير يعزّز الشكوك فى قدرة تلك الوسائل على الإقناع، ويفتح الباب أمام مطورى المذيعين الافتراضيين للمُضى قدماً فى تجاربهم الجديدة.

لكن الإعلام المصرى يبدو، حتى هذه اللحظة، بعيداً عن مجاراة التقدّم فى مجال إطلاق المذيعين الافتراضيين، ورغم وجود محاولات نادرة فى بعض المنظمات الإعلامية الثانوية لاستخدام تلك التقنية، فإن القطاع الأكبر من المؤسسات الإعلامية الرئيسية لم يُبدِ اهتماماً بخوض هذه التجربة.

وربما يعود السبب الأهم فى ذلك إلى الدور المركزى والحيوى الذى يؤديه المذيع البشرى فى منظومة الإعلام الوطنية، وهو دور يتعدّى فكرة قراءة الأخبار، أو عرض مجريات الأحداث الجارية، أو استضافة المصادر ذات الصلة بها لاستطلاع آرائها، إلى تقديم الرأى والمشورة للجمهور، وتقديم الانطباعات والتعليقات «الذاتية» على الأحداث.

ورغم الطبيعة الخاصة للإعلام الوطنى، ومركزية الدور الذى يُناط بالمذيع عادة فى برامجه ونشراته الإخبارية ومنتجاته الترفيهية، فإن المذيع الاصطناعى سيصل إليه بكل تأكيد، وعندما سيحدث هذا، سيكون علينا رصد تجليات هذه التجربة، ومعاينة قدر الثقة الذى سيحظى به المذيع الافتراضى مقابل ما يتمتع به نظيره البشرى.

ستكون هناك منافسة شرسة فى وقت ليس بعيداً بين المذيع البشرى والافتراضى، وبين عناصر هذه المنافسة ستظهر مقومات مثل الثقة والجاذبية والتفاعل والكاريزما الشخصية والتمكن المهنى والتكوين الثقافى، وسيكون الحكم فى هذه المنافسة هو الجمهور، والأمل ألا تكون النتائج صادمة ومخيبة للآمال للزملاء البشريين.

نقلاً عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط