واشنطن "خائفة" على الـدم الأمـيـركـي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
منذ 45 عاما ودم أبناء العراق وسوريا واليمن ولبنان يسيل إن بواسطة الحروب وويلاتها أو بالاغتيالات الممنهجة.
طيلة هذه العقود، لم ترغب واشنطن في التخطيط لكيفية ردع إيران وأذرعها عن التدخل السافر بالجوار، ومنعها من قلب موازين القوى القائمة لمصلحتها، ولا حتى وضع حد لتغييرها أنظمة بكاملها من خلال تجييشها لفئات داخلية ومدها بالسلاح والمال والدعم اللوجستي.
ولكن، وبمجرد مقتل ثلاثة جنود أميركيين في موقع "تي 22" على المثلث الأردني – السوري - العراقي، شنت أميركا غاراتها على بعض الميليشيات، وعمدت إلى تصفية أحد زعمائها في بغداد. ليبقى السؤال المطروح: هل يكفي استهداف أميركا لميليشيات تأتمر بأوامر إيرانية لاستعادة الردع؟ وهل ستوقف هذه الميليشيات هجماتها على التواجد الأميركي بمجرد استهداف محدود لها، بينما تحركها إيران في تصعيد "خبيث" مقابل أن تفرض على واشنطن تنازلات على طاولة المفاوضات؟
يعتقد الكثير من المراقبين أن ضربات بايدن الجوية لن تنجح في إيقاف إيران لمخططها، لأن الردع لا يقتصر على ما تفعله الولايات المتحدة، بل على ما تخطط له طهران الشريكة في رقصة التانغو تلك. وإلى جانب هاجس النظام الإيراني الدائم بضمان بقائه، تتطلع طهران إلى طرد الولايات المتحدة من المنطقة. بالتالي من السذاجة الاعتقاد بأن إيران ووكلاءها لن يستمرا في استهداف القوات الأميركية، خاصة أنّ الحرب في غزة وفّرت لطهران وضعا ملائما لتعزيز العداء الشعبي ضد أميركا، وزادت ذريعة جديدة لمزاعم إيران للادعاء بأن عمليات أدواتها على الجيش الأميركي تحصل من أجل قضية عادلة.
في حديث له، يقول جايك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأميركي، إن "العامل الإيراني في أحداث المنطقة حقيقي، أساسي. وهو شيء نحتاج إلى التعامل معه بطريقة واضحة ومباشرة، وسنفعل".
يعتقد سوليفان أن "للضربات الأميركية تأثيرا جيدا في إضعاف قدرات الميليشيات على مهاجمتنا. ومع استمرارها (الضربات) سنكون قادرين على توجيه رسالة قوية حول تصميم الولايات المتحدة الثابت على الرد عندما تتعرض قواتنا لهجوم".
تصريح سوليفان يؤكد أن هناك توجها أميركيا يعبّر عن رغبة بايدن في استعادة الردع، ولكن بتصميم على عدم إعطاء مبرر للتصعيد. فمن ناحية، لا يمكن لواشنطن أن تسمح بأن يصبح قتل جنود أميركيين أمراً طبيعياً يمر من دون عقاب. أما من ناحية أخرى، فلا تريد واشنطن أن تبالغ في الرد لكي لا تنزلق إلى حرب مع إيران. هذه هي المعادلة الصعبة التي ترتأيها واشنطن، لكن من يعرف النظام في طهران جيدا لا يمكنه الرهان كثيرا على "منطق" قادة طهران.
إن هوس إدارة بايدن العلني بتفادي التصعيد بأي ثمن لا يعطي سوى إشارات إلى خصوم أميركا من المتسلطين أنه بإمكانهم أخذ ما يريدونه بالقوة. وهذا ما تسعى إليه كل من روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية بتشكيل نظام عالمي بديل يتراجع فيه نفوذ الولايات المتحدة ويتم شرذمة حلف الناتو.
يلاحظ أن الرد الأميركي انتهى من دون أن تدفع الميليشيات الإيرانية ثمناً كبيراً يجعلها ترتدع عن أي اعتداءات مستقبلية. فالكلام الأميركي الصارم حتى الساعة لا يترافق مع عمل صارم. ولم يعد الكلام عن "رد طويل متتابع على عدة أصعدة" يقنع أحدا، لا سيما أن الردع هو مفهوم سياسي قبل أن يكون عسكريا. وما زالت واشنطن تخطط لاحتواء إيران، ولإقرار نفوذ لها في المنطقة والتسليم بتقاسمها النفوذ مع دول الخليج.
فشلت الولايات المتحدة في تحقيق الردع منذ عام 2021 لاعتمادها فقط على ضربات محدودة ضد ميليشيات إيران، من دون أن تطال الحرس الثوري الإيراني مباشرة. بالتالي، فإن واشنطن تبقى بحاجة إلى استراتيجية تعالج مصدر المشكلة "إيران" لا أذرعها فقط. فاستعادة الردع تقتضي أن تقدم واشنطن على إضعاف القدرات العسكرية للحرس الثوري ومصالحه الاقتصادية وقدرته على نقل الأسلحة والتدريب والمساعدة العسكرية المباشرة إلى الوكلاء. لا حلّ إلا بمنع طهران من الاختباء خلف وكلائها. بات واضحاً يوما بعد يوم أنّ استراتيجية بايدن لن تقود سوى إلى تصعيد التوتر في المنطقة وربما جرّ الولايات المتحدة إلى حرب يسعى بايدن إلى تفاديها، كما يقول.
ينتقد مايك بنس ومايك بومبيو في مقالهما الاخير في وول ستريت جورنال سياسة بايدن تجاه إيران ويصفانها بـ "الاسترضائية والفاشلة، لأنها لم تردع النظام الإيراني وميليشياته عن قتل جنود أميركيين بل أدت إلى حرب حماس على إسرائيل". ويضيف المسؤولان السابقان في إدارة ترمب الى أن نظام الملالي الإيراني قد قطع كل غصن زيتون قدمه بايدن إليه. وبالتالي، يجب على الرئيس الأميركي أن يتبنى موقفا أكثر حزما تجاه إيران، عبر البدء في "إعادة تأسيس نموذج الردع الذي يُبقي الحرب بعيدة. فالملالي لا يفهمون إلا لُغة القوة. وعلينا الحفاظ على سلامة جنودنا ووطننا، فقد حان الوقت لرد الضربة لإيران"، كما يقول الكاتبان.
لكنّ مراكز القوة الايرانية واللوبيات الإيرانية داخل الحزب الديمقراطي الأميركي تردد في عام الانتخابات الرئاسية "بأن كلفة الحرب لا تحسب بالدولارات فقط، بل يتم دفعها بدم الأميركيين أيضا".