معركة إيران "خاسرة".. لكنّ الحرب طويلة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
بعيدا عن "التمنيات" أو ما يعرف بالـWishful Thinking إلا أنّ المتغيرات الطارئة في المنطقة والعالم لا بدّ من أن يكون لها تبعاتها. في السياسة يبقى الثابت الوحيد هو المتغيّر. قد تأتي صفقة وتقلب الأوضاع وتبعاتها. أما حاليا، فطهران "خاسرة" وتتلمس حجم "خسائرها".
استوعب الإيرانيون مغزى إرسال واشنطن لحاملات طائراتها وغواصاتها النووية وبوارجها وطراداتها إلى البحار المحيطة بمناطق نفوذ إيران. أدركت الأخيرة الدواعي الكامنة وراء هذا التحرك العسكري بعد أن عادت الولايات المتحدة لتؤكد أنّ الشرق الأوسط لا يزال يحتل أولوية في استراتيجيتها شأنه شأن الصين وروسيا.
درست طهران التواجد العسكري الأميركي الكبير والمتنوع من دول آسيا الوسطى المحاذية لإيران مرورا بقاعدة إنجرليك في تركيا والأسطول الخامس في الخليج العربي والقواعد في قطر ودجيبوتي وقبرص واليونان وإيطاليا وصولا إلى القاعدة النووية في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. ظهر للإيرانيين بوضوح ميزان القوى الحقيقي والواقعي. فتراجعت إيران عن احتمال تعريض أراضيها وجغرافيتها لأي ضربة شبيهة بتلك التي تولاها رونالد ريغان عام 1987.
في الموازاة، يبحث نظام الملالي عن تعويض عدم قدرته في التأثير المباشر. فمن جهة، أرسل كتابا إلى مجلس الأمن يتنصل فيه من مسؤوليته عما تقوم به الميليشيات، وبعدها خرج زعيم حزب الله حسن نصرالله ليقول إنّ نظراءه في دول الممانعة يتصرفون باستقلالية وفق ما يرونه "مناسبا"، فيما نفت طهران أي مسؤولية لها عن تهديدات الميليشيات العراقية وآخرها استهداف الأميركيين على الحدود الأردنية ومقتل 3 منهم. ومن جهة ثانية، تواصل طهران تحريك أذرعها حفاظا على ما تبقى من نفوذ مجمّد، وفي محاولة "يائسة" لجرّ الإدارة الأميركية قبل موعد الانتخابات الرئاسية لعقد صفقة معها تفضي لتقاسم النفوذ هنا في المنطقة.
وفي ما يلي جردة حساب لخسائر النظام الإيراني في كل من مناطق نفوذه.
خسارة إيران في غزة:
• مع خسارة الأرض والدمار الرهيب غير المسبوق في التاريخ البشري، يتهاوى حكم حماس وتتلاشى بلدياته وإداراته ووزاراته.
• تفقد أداته العسكرية واللوجستية وتعجز قيادات حماس والجهاد عن بلورة شعارات سياسية مقبولة لإنهاء الحرب.
• كما عجزت حماس والجهاد عن جعل الشعب الفلسطيني يلتف حول تصرفاتها فلم تستطع التقدم خطوة باتجاه المصالحة الفلسطينية، ولم تقو على تقديم لقمة العيش والدواء والمستشفى والملجأ والخيم والفراش لمليوني مهجّر، بل ما زالت تطرح الشعارات العامة في حين يريد الشعب الفلسطيني حاجات يومية معيشية.
• عجزت حماس والجهاد عن جعل الشعب الفلسطيني يلتف حول الدور الإيراني وشعاراته وأجندته التي ضحت بأهالي القطاع، فخسرت إيران استثمارها في القطاع بعد أن زرعت الشقاق بين الفلسطينيين.
• تتحدث الصحف الإسرائيلية عن ضغوطات قوية على حماس للإفراج عن الرهائن والقبول بالشروط، وأبرز هذه الضغوط تأتي من حزب الله الذي لم يعد يرى فائدة مما يحصل في الجنوب اللبناني.
المكاسب الإيرانية في لبنان "بخطر":
• فقد حزب الله إمكانية فرض مرشحه لرئاسة الجمهورية، ونال مرشح المعارضة المزيد من أصوات النواب التي تفوقت على أصوات مرشح الحزب. وحتى تاريخه يُتعذّر عليه إيصال سليمان فرنجية إلى الرئاسة، وجلّ ما باستطاعته إبقاء كرسي الرئاسة شاغرا.
• خسر حزب الله التفاف اللبنانيين حول سياسته في جنوب لبنان حيث بالرغم من التأييد العارم لقضايا الشعب الفلسطيني وحقه بدولة مستقلة والعيش بسلام لا يلتف الشعب اللبناني حول تحركات الحزب العسكرية.
• ظهر الرفض ولا يزال، لـ"إشغال العدو بإشعال الجنوب".
• رفض واضح لتوسيع الحرب غير المفيدة لشعب فلسطين ولأهالي قطاع غزة، والتي ظهر عجزها عن الضغط على إسرائيل لإيقاف حربها في غزة.
• خسر حزب الله قدرته على فرض سياسته وقدرته على التحرك الحر، كما ظهر عدم قدرته على توسيع الحرب وإن علت الأصوات المهددة والمتوعدة والمنادية "بالاستعداد الكامل للحرب من دون أي سقف".
• حزب الله لم يعد يجد في استمرار حربه بالجنوب اللبناني أي فائدة
ويصطدم بأهل الجنوب وبالبيئة الشيعية التي تطالب بوقف حرب "المساندة" التي أنتجت دمارا رهيبا في قرى بنت جبيل والنبطية والقطاع الغربي ومنعت المزارعين من الحصول على إنتاجهم الزراعي ومواسمهم، وأشعلت المصانع وخربت المستودعات وهجرت حوالي مئة ألف مواطن. فيما يشكل التهجير عبئا على الحزب.
• أخذت إيران تشعر بالضغط الذي يقترب منها ومن خطر التصعيد ومن أرجحية خسارتها لاستثماراتها بالمليارات بأذرعها وعلى رأسها الاستثمار بحزب الله أهمّ ميليشايتها.
• لذا، يقع الحزب في مأزق. من جهة لا يستطيع وقف عملياته، ومن جهة أخرى لا تفيد هذه العمليات بتغيير وجهة الحرب في قطاع غزة.
• أيضا لا يستطيع حزب الله التراجع، كما أنه لا يقوى على التقدم.
• وهذا المأزق هو جزء من خسارات إيران في المنطقة .
فقدان الجولان:
ما يزيد التحدث عن خسارة إيران فقدانها لجبهة الجولان بعد أن امتنعت روسيا عن استعمال حق الفيتو في مجلس الأمن بعد تهديدات الحوثي والقرصنة البحرية وتهديد أمن الملاحة الدولية، ليقوم الجيش الروسي بنشر 9 نقاط له على جبهة الجولان المحتل منعا لفصائل إيران من استعمال الهضبة كمنطلق ضد إسرائيل.
لجم إيران في العراق:
تحرشّت إيران بواسطة ميليشيات الحشد بالوجود "الإمبريالي وبالشيطان الأكبر" في العراق. فسدد الحشد وقوات النجباء الثمن عن إيران. فتراجعت طهران عن استهداف القوات الأميركية والاكتفاء بمعاداة كردستان لشعورها أن معاندة واشنطن محال.
"خسائر" إيران في البحر الأحمر:
حاولت إيران إبعاد مضيق هرمز ومياهها الإقليمية والخليج العربي عن مسارات التصعيد، فدفعت بالحوثي إلى تهديد الملاحة الدولية من باب المندب وفي البحر الأحمر. فاستصدرت أميركا القرار الرقم 2722 في مجلس الأمن من دون أن تتمكن كل من روسيا والصين استعمال حق النقض. وعندما لم يرتدع الحوثي أغرقت قوات التحالف له زوارق بحمولتها البشرية، لتكمل بعد تفاقم تحرشاته بغارات على قواعده وراداراته وثكناته ومطاراته وقواعد صواريخه. فخسرت إيران البحر الأحمر ومعاركه، ورغم استمرار تهديدات الحوثي إلا أنها لم تفلح من خلالها في فرض شروط دولية كانت تشتهيها لا بل أدّت بذلك لعسكرة البحر الأحمر وباب المندب واستدعت بتصرفاتها أميركا وأوروبا للجم ميليشياتها – فرع اليمن.
طهران "تخسر" واشنطن:
الأهّم في كل ما سلف، خسارة طهران "استمالة" أميركا. فبعد كلّ محاولات جرّ واشنطن للتفاوض مع إيران قبل موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، اتجهت الإدارة الأميركية للمواجهة تحت عنوان "الردع". فتولت واشنطن ـ ليس فقط التهديد ـ بل بتوجيه ضربات لأذرع إيران مباشرة في العراق (النجباء) وفي اليمن (الحوثي ) وفي سوريا (شرقي الفرات والفصائل الإيرانية)، مع إشعار طهران برسالتها القوية وتأكيد الرئيس بايدن "على استلام إيران الرسالة الخاصة".
من أهم خسائر إيران، خسارتها عقد الصفقة مع الولايات المتحدة. مردّ ذلك أولا للتناقضات الحزبية في واشنطن، والضغوطات الممارسة على الإدارة من قبل كل من الحزب الجمهوري وبعض كتل الحزب الديمقراطي. وتاليا، خسرت أيضا الصفقة مع أميركا لأنّها تريد من ناحية "وحدة الساحات"، ومن جهة ثانية جعل واشنطن تتفق مع كل ذراع إيرانية على حدة. (أي مع حزب الله في لبنان، ومع الحوثي في اليمن، والحشد في العراق). وفي محاولاتها تلك خسرت القدرة على الابتزاز وإلا فُضح بايدن قبيل الانتخابات.
تيقنت واشنطن لسياسة إيران في توتير الأجواء في جنوب لبنان وفي شمال العراق وفي البحر الأحمر، ولخطتها في توزيع الاتفاق وتشتيته ليصبح اتفاقا مع الميليشيات بدلا من اتفاق مع الرأس المدبّر في طهران. فنجحت إيران لتاريخه في تجزئة الساحات ومحاولة فرض اتفاقات بالقطعة فيما عرض الأميركيون بواسطة سلطنة عمان وقطر على إيران عقد اتفاق واحد شامل معها. فأجاب السفير الإيراني في دمشق عليه بـ"الرفض" في محاولة إيرانية للمزيد من الابتزاز.
في الخلاصة، تعلم طهران مدى خسائرها المتتالية لكن تبقى الخطورة في تصرفات الخاسر. حتى اللحظة تعلم إيران أنّ المعركة خاسرة لكنها لم تخسر الحرب. لن تلعب أوراقها All In بعد، لكنّ المؤكّد أنها لن تتراجع عن زعزعة الاستقرار تحت سقف لا يجرها إلى حرب شاملة بعد. وبين الصبر الأميركي على نظام طهران، ومحاولات الأخيرة لعدم الخسارة الكاملة ستبقى المنطقة تدفع ثمنا يوميا للضرب والردّ والردّ على الردّ. حرب غزة طويلة، وبعدها قد يكون هناك من استراحة محارب، لكنّ الاستقرار المنشود لا يزال بعيداً طالما النظام الإيراني قائم أو لم يغيّر تصرفاته وينصرف إلى الداخل ويهتمّ بحدوده وبشعبه وفق المعايير الدولية المفروضة على الأمم.