أن تكون مصريًا هذه الأيام!

عبدالله عبدالسلام
عبدالله عبدالسلام
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

قبل عام بالضبط، أجرت مؤسسة «ويب إنجن» الإعلامية الأمريكية استطلاعًا شارك فيه 3 آلاف شخص، وكان السؤال: ماذا يعنى أن تكون أمريكيًّا عام 2023؟. أقلية عبرت عن مشاعر إيجابية وفخر، لكن الغالبية تضاربت مشاعرها. بعضهم كانت لديه مشاعر سلبية فقط. الخوف والقلق والتشاؤم من الاتجاه الذى تسير فيه البلاد والمناخ السياسى الفاسد وارتفاع الجريمة وإساءة استخدام السلطة.

كثيرون اشتكوا من عدم القدرة على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وأن مصالحهم لم تعد المحرك الأساسى للسياسة. الأكبر سنًّا (56 عامًا فما فوق) يشعرون بالحنين للماضى. الاستطلاع خلص إلى أن كونك أمريكيًّا هذه الأيام لم يعد أمرًا إيجابيًّا. ماذا يعنى أن تكون مصريًّا 2024؟. للوهلة الأولى، نبدو كما لو كنا مجتمعًا استهلكته المشاكل الاقتصادية وغلاء الأسعار والتغيرات الاجتماعية المتلاحقة، وتراجعت فيه أدوار المؤسسات الدينية والعلمية والإعلامية. التصرفات الفردية غير المنضبطة والأنواع الغريبة من جرائم العنف، خاصة ضد المرأة، والسلوكيات الانتهازية، تأخذ أولوية الاهتمام العام للمجتمع، مما يجعل التساؤل مُلِحًّا: هل هذه مصر وهل هؤلاء هم المصريون؟.

التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التى يتعرض لها المجتمع مفتاح مهم لفهم تغيرات الشخصية. بالطبع، هناك سمات عامة تنتقل من جيل إلى جيل. أهم ما يميزنا الحس الاجتماعى والترابط الأسرى واحترام الكبير وكرم الضيافة، (الخناقات حول مَن يدفع فاتورة المطعم أو الكافتيريا تلفت انتباه الأجانب). هناك اعتزاز عميق بتاريخ مصر وإنجازاتها واستعداد للدفاع عنها ضد مَن يقلل من أهميتها. لدينا تراث موسيقى وغنائى وفنى ثرى نفتخر به. مطبخنا متنوع ومتعدد النكهات. روح السخرية، رغم تراجعها، متأصلة فينا. سيدة أجنبية، تتحدث العربية، ركبت المترو، فوجدت بائعًا «سرِّيحًا» يقول، بعد فشله فى بيع أى شىء: «أنا كده هرجع للسرقة تانى»، فانفجرت العربة بالضحك.

لكننا أيضًا، نبدو منقطعى الصلة بحضارتنا الفرعونية التى نتباهى بها. لا نعرف عنها شيئًا تقريبًا، بل نهملها. ارتباطنا فقط بالحضارتين الإسلامية والقبطية. غالبية شبابنا لا يعرفون الكثير ولا القليل عن حرب أكتوبر مثلًا. ثقافتنا العامة ضئيلة، حتى بالقياس إلى شعوب مجاورة. تعليمنا بعافية. القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية العميقة، التى كنا نقرأ حوارات ونقاشات المفكرين والكُتاب بشأنها حتى ثمانينيات القرن الماضى، تلاشت، وحل محلها إما الفراغ أو «تنفيسات» وخواطر لا تستحق لفظ قضايا. السلوكيات الممزوجة بالفهلوة والسطحية والانتهازية والتبرع بالنصيحة و«الإفتاء» دون معرفة زادت. معدلات القراءة، حتى لدى النخب، تراجعت. الحنين للزمن «الجميل» وليس التطلع للمستقبل، يسيطر على تفكيرنا.

للأسف الشديد، كثيرون منّا يستمتعون بجلد الذات والآخرين. النقد الهادئ الموضوعى اختفى، ولو تواجد، فغير مُرحَّب به. ضيق النفس وعدم الصبر والسخط لأتفه الأسباب، من صفات المصريين المحدثين. لم نعد نتحدث مع بعضنا، بل نصرخ. تكيفنا مع سلوكيات كنا نستهجنها، كالواسطة والفساد البيروقراطى والتحرش اللفظى بالمرأة والدروس الخصوصية وإتلاف المرافق العامة. التباين الطبقى اتسع، وأضحى من طبائع الحياة، ولم يعد هناك نقاش أو رؤى لتقليل الفجوة بين الطبقات. كان رائدنا التفاؤل والنظرة الإيجابية للمستقبل وللحياة. اعتقدنا دائمًا، عن حق أو عن غيره، أننا الأفضل. الآن التشاؤم سيد الموقف. يقول الأديب العالمى نجيب محفوظ:

«السخط شعور مقدس، أما اليأس فمرض».

فى عالم يشكو فيه الغنى والفقير (دولًا وأفرادًا)، يمكن تفهم المشاعر السلبية التى يعبر عنها المصريون هذه الأيام، لكن الانغماس فيها وإغلاق الباب أمام المستقبل، أمر خاطئ، بل ظالم. فى ختام كلمته خلال حفل تسلم جائزة نوبل، والتى ألقاها نيابة عنه الأديب الكبير محمد سلماوى، قال نجيب محفوظ: «رغم كل ما يجرى حولنا، فإننى ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية. لا أقول مع الفيلسوف كانط: الخير سينتصر فى العالم الآخر، فإنه يُحرز نصرًا كل يوم... غاية ما فى الأمر أن الشر عربيد ذو صخب ومرتفع الصوت، وأن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره».

* نقلا عن " المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط