في حل مجلس الأمة.. أقوى الأسباب وأسرعها

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

يمكن لي أن أسجل بأن حل مجلس الأمة الأخير جاء بعد موقف شبه جماعي نيابي، عبّر فيه الأعضاء عن معارضة تولدت من مداخلة أحد الأعضاء، صعّد فيها ملاحظاته على الخطاب الأميري، الذي ألقاه سمو الأمير الشيخ مشعل أحمد الجابر الصباح، وسجل فيه مرئياته المعبرة عن مسؤوليات يتحملها سموه كراعٍ للبيت الكويتي، المؤتمن على سلامته، والحريص على وحدته، والساعي لقيادته، متجاوزاً المخاطر، ومحصناً من أية احتمالات تؤذي لوحته اللامعة.

كان مسعى رئيس المجلس شطب مداخلة العضو منسجماً مع اللوائح، ويسير وفق المصلحة العامة للوطن، ويحمي المستقبل من احتمالات المواجهات، لكن قناعة النواب الجماعية لم تتوافق مع مساعي الرئيس، فكان التصويت الذي جاء من اجتهاد نيابي لم يرصد بشكل واضح سلبية الحصيلة، وأبرزها الخروج على ما سجله الدستور من وقاية تامة للمقام الأميري، الذي يجسد الترابطية التاريخية بين الشعب وبين الحاكم، وضرورات الحفاظ على المعاني السامية التي تحملها هذه الترابطية، في تأمين الوحدة الكويتية الجامعة.

والحقيقة أن التصويت يفتح أبواب الاجتهادات التي تتسلل منها الانقسامات، فلم يسبق أن مرت على مسار الكويت، فصل الإمارة وبعدها فصل الدولة، لأن الشعب الكويتي راصد لمخاطرها ومدرك لأعبائها وأضرارها على الكويت، وأهم من كل ذلك أن المقام العالي لسمو الأمير هو المخزن الصلب المحافظ على سلامة الدولة ووقايتها من مضار الانقسامات، والمؤتمن على صون الثقة الشعبية العالية التي يتمتع بها سمو الأمير الحارس للدولة والمسؤول عن استقرارها.

جاء تعطيل مسار مجالس الأمة في فترة الستينيات والسبعينيات وما بعدها من تباينات في السياسة ومن خلاف في الاجتهادات حول دستورية المواقف وما قد يخرج منها من أضرار تؤذي المجتمع، ولم يسجل التاريخ أن تعطيلاً جاء من اقتراب نيابي من المحصنات الأميرية، لأن الفضاء السياسي العام في ذلك الوقت كان شديد الوعي للحفاظ على مقومات الأمن والاستقرار، التي تتميز بهما الكويت، وأبرزها الدور البارز لسمو الأمير.

كانت الاجتهادات البرلمانية السابقة تتم في إطار حق النائب في انتقاد برنامج الحكومة، وطرح مواقع التقصير فيها، وتقديم ما يراه صالحاً من آراء ومقترحات، محافظاً على أن تكون مداخلاته في إطار برنامج الحكومة، ووفق المواد التي يجسدها الدستور، ومبرزاً طموحات الشعب الكويتي في تطورات تنموية وتجديدات إدارية، تساهم في تنفيذ برامج الحكومة التي لها الأولوية وفق توقعات الشعب الكويتي.

كما نلاحظ من رصد للمداخلات النيابية السابقة الالتزام البرلماني بالمادة 54 من الدستور، التي تعنى بالخصوصية التي يتمتع بها سمو الأمير، باعتباره راعياً وأباً لجميع المواطنين، المؤتمن على أمن الوطن، والمحافظ على سلامة مواطنيه والمتواصل مع مختلف الأطياف والراسم لتوجهات الدولة في مختلف مساراتها.

وقد التزم السابقون من النواب بهذه الحقائق، وقدموا الاحترام لمعاني المادة الرابعة والخمسين من الدستور.

كان موقف رئيس المجلس السيد أحمد السعدون سليماً في الاعتراض على اقتراب مداخلة النائب من المادة 54، ولم يكن من الضرورات اللجوء إلى التصويت الجماعي على طلب الرئيس لشطب مداخلة النائب، فمن حق الرئيس حماية مواد الدستور، وكان يمكن إكمال الجلسة وفق ما طلبه الرئيس، وجاءت المفاجأة بمعارضة كاسحة لموقف الرئيس، وإصرار الأغلبية على الحفاظ على مداخلة النائب في محضر الجلسة، مسبباً واقعة قد تتحول إلى قاعدة، الأمر الذي سيفتح ممراً للجدل البرلماني المعطل للمسار الدستوري.

وجاء القرار الأميري بالحل معبّراً عن إدراك بأن واقعة التصويت البرلماني الجماعي في رفض اجتهادات الرئيس لا تنسجم مع المادة 54، التي تدون المكانة التاريخية لسمو الأمير، ودورها الفريد في استتباب الاستقرار وتأمين سلامة التطور التاريخي للدولة، ومن المهم التطرق إلى سلامة قرار الحل، الذي يبقى درساً واضحاً للأجيال القادمة، تتعلم منه بأن الاقتراب من المادة 54 سيؤدي إلى استحضار آليات الحل الدستوري، بما فيه من احتمالات التكرار وما يسببه من إرهاق للتجربة البرلمانية الكويتية.

لن تغيب واقعة المستجدات التي يتميز بها واقع الكويت الحالي عن رصد المتابعين، فالفصل الحالي يحمل معه مؤشراً على إصرار القيادة على تطبيق القوانين ذات الصلة بجميع مسارات الكويت، وأبرز هذه المؤشرات قرار حل المجلس بهذه السرعة المفاجئة معبّراً عن حسم أميري، لا يريد ترك الفضاء الكويتي مفتوحاً للاجتهادات والتباينات في المواقف، وإنما كان سريعاً في قراره لإغلاق أبواب التفسيرات، مع إشارات سهلة الرصد بأن الأفق الكويتي يشهد حالياً الإصرار على تنفيذ القوانين والتشدد في حمايتها.

ويمكن استخلاص هذه الحقيقة من المقابلة، التي نشرتها الصحف يوم الأحد، الموافق الثالث من مارس الجاري، مع نائب رئيس الوزراء السيد فهد اليوسف سعود المحمد الصباح، وزير الدفاع وزير الداخلية بالنيابة، وسجل فيها المسارات الأمنية التي يصونها ويحافظ على فعاليتها في تطبيق القانون، مع الضغط على نقطتين جوهريتين، الأولى ملاحقة الفساد، والثانية لا وساطات ولا تدخلات، والأفضلية للقدرة والكفاءة، وجوهر هذا التطور معناه حكم القانون وإدارة بالكفاءة، وهي من المستجدات البارزة في هذا العهد، ونقلة جوهرية في سلوك الدولة وفي مسار المجتمع.

ومن الملاحظات التي تنوعت في مقابلة نائب رئيس الوزراء، بأنه لن يحقق ما يريد، ولن ينجح في تجربة حاول السابقون تنفيذها، فلم يسعفهم القانون، ولم تتفاعل مختلف ألوان المجتمع مع مساعي التطبيق غير المسبوق للقوانين، والتحدي الذي يتواجد الآن أمام الشيخ فهد اليوسف، يتمثل في قدرته على نشر الامتثال لحكم القانون وإملاءات المنطق من قبل المجتمع الكويتي، الذي راهن وتصادق مع الوساطات، واستذوق أطعمها والتزم بمفعولها.

في الرابع من الشهر القادم سيذهب الشعب الكويتي إلى مقار الانتخابات للتصويت على مرشحين، أغلبهم من الذين صوتوا على المخالفة الدستورية، التي تسببت في سقوط المجلس، وسيجد الناخبون تفسيرات في تبسيط مبررات المواجهة التي اتخذها أعضاء المجلس المنحل في تحدي قرار رئيسه برفض شطب مداخلة النائب، كما سيجد تبسيطاً للحقائق التي شهدتها آخر جلسة من دون هضم للمعاني التي يحملها مرسوم الحل، كما لن يلمس الناخب من مرشحي اليوم اهتماماً وهضماً للمعاني، التي ذكرها نائب رئيس مجلس الوزراء عن سقوط نجم الوساطات، وصحيح أن كثيرين من الوزراء السابقين صاغوا كلمات مشابهة لما يردده نائب رئيس الوزراء، وخرجوا من دون تنفيذ وعودهم، والتحدي الآن هل ينفذ الشيخ فهد اليوسف ما وعدنا به؟

ونسأل عن مدى تهيئة المجتمع الكويتي للأجواء القادمة، التي من الواضح أنها تتميز بالحزم والبت السريع في مسار القرارات التي تحتاجها الدولة، ومن دون شك بأن الجميع يساند، والكثيرون لا يصدقون.

محمد الشارخ في أمان الله

شهور من المعاناة في «الأميري»، لم نستطع زيارته، واختاره الله ليرحل عن دنيانا، تاركاً سجلاً تاريخياً في ترويض التكنولوجيا خدمة للغة العربية التي أدخلها في عالم الكمبيوتر، وتواجد فيها القرآن الكريم وأشعار العرب وغزارة ثقافتهم قديماً وحاضراً، ويفوز بجائزة الملك فيصل لإبداعه في تطويع أحدث الاختراعات من أجل أمن الثقافة العربية ولغة القرآن وتراث العرب وآدابهم ومعلقاتهم، ولم يتوقف ساعياً إلى المزيد من الاستفادة من ابتكارات الغرب، انسجاماً مع طموحاته الواسعة، التي لم يستطع تحقيقها، لمسببات عدة، منها خداع من وثق بهم، ومنها تراكمات تولدت من ظروف معاكسة، والسبب ضخامة الأحلام وكثافة التعقيدات وتضاؤل الأمل.

فقدت شخصياً صديقاً ملهماً بالتجديد، ملاحقاً آخر المستجدات، لينقلها إلى عالم العرب.

رحمه الله وأسكنه واسع جناته، وسيبقى اسمه يرن في ذاكرة كل الأجيال، بأنه الرجل الذي أدخل اللغة العربية في الفضاء العالمي.

لعائلته وأقاربه العزاء الصادق، والصبر والسلوان، إننا مدركون جميعاً أنه لا راد لإرادة الله.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط