نظرة جديدة على رؤية السعودية 2030

علي الشهابي
علي الشهابي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

هناك قدر معين من الارتباك بين المراقبين، حول الاستراتيجية الاقتصادية السعودية. يمكننا توضيح هذا الأمر إذا نظرنا إلى المبادرات العديدة لرؤية 2030 بالطريقة التي ينظر بها رواد رأس المال الجريء إلى محافظهم الاستثمارية. ومن خلال القيام بذلك، فإننا نرى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوسع مروحة استثماراته على عدد كبير من القطاعات في محاولة لدرء المخاطر وعدم الاعتماد على قطاع واحد، فإدارة التحوط تتطلب تنويع الاستثمارات. والفوز بعدد قليل من هذه القطاعات سيمكّن الاقتصاد من الابتعاد عن الاعتماد الكامل على القطاع النفطي.

من الواضح أن قطاعات النفط، والغاز، والبتروكيماويات ستبقى الأساس، مع وجود عقود من الإنتاجية والطلب في الأسواق عليها مستقبلا لكنها لن تبقى القطاع الأوحد. وسيتم تطويرها بشكل أكبر، تمتد من مرحلة الإنتاج وصولا إلى مراحل التسويق. وسيتم التركيز بشكل إضافي على الأبحاث في مجال البتروكيماويات لإنتاج المزيد من المنتجات التي يمكن استخلاصها من النفط الخام. إن الطلب على النفط لن يتراجع، والمملكة، باعتبارها المنتج الأقل تكلفة، تحافظ على ميزة تنافسية هائلة في هذه الصناعة في المستقبل المنظور. وقد عززت الاكتشافات الأخيرة لاحتياطيات الغاز هذه الميزة التي ستؤدي حتما إلى زيادة القدرة التنافسية الصناعية السعودية مع وجود كميات وفيرة من الغاز في صدد الاستفادة منها.

ويُنظر إلى أربع قطاعات جديدة ومهمة، وهي: التعدين والسياحة والرياضة والترفيه، على أنها واعدة بشكل خاص لأنها إما تتمتع بميزة تنافسية عالمية واضحة أو أن هناك طلبًا محليًا وإقليميًا كبيرًا مكظوم على منتجاتها وخدماتها. على سبيل المثال، اكتشفت المملكة العربية السعودية بالفعل ما قيمته أكثر من 2.5 تريليون دولار من المعادن التي يمكن استخراجها تجاريًا، وستستثمر أيضًا في تكريرها.

بالإضافة إلى ذلك، يتم استقطاب الاستثمارات الخارجية من الشركات المنوطة بتكرير المعادن في القارة الأفريقية. وبالفعل بدأ تأسيس الأرضية لإنشاء تجمع من الشركات المتخصصة في تكرير المعادن المستخرجة تعمل في إفريقيا، حيث ترى شركات التعدين هذه أن المملكة العربية السعودية أكثر استقرارًا وأفضل تجهيزًا بالبنية التحتية من الدول التي يتم فيها استخراج المعادن الخام، وبالتالي، كموقع أكثر موثوقية. لاستثماراتهم الكبيرة في المصب.

تمثل السياحة أيضًا فرصة واعدة، إذ تتمتع المملكة بساحل طويل، بكر، على البحر الأحمر يعتبر موطنًا لأجمل الشعاب المرجانية في العالم. وهذه ميزة تنافسية في صناعة السياحة، نظرا لنظافة شواطئها وسهولة الوصول إليها من قبل السياح الأوروبيين على خطوط الطيران. هذه الشواطئ البكر هي إحدى المواقع الاستوائية القليلة المتبقية في العالم التي لا تزال على طبيعتها الخلابة وتطويرها سيكون فرصة فريدة وواعدة للسياحة الشاطئية. من هنا، تتمتع المملكة العربية السعودية بميزة تنافسية في صناعة السياحة الشاطئية المتميزة، إذ أن شواطئها نظيفة ويسهل الوصول إليها بالطائرة للأوروبيين وغيرهم. ربما يكون مثل هذا الموقع الاستوائي البكر على بعد بضع ساعات من الرحلات الجوية من المراكز الحضرية العالمية الكبرى هو الموقع الأخير من نوعه المتاح في أي مكان في العالم نظرًا لتأخر المملكة في الانفتاح على السياحة - ومن هنا جاءت الفرصة الفريدة.

وفي المجال السياحي أيضًا، يجري تطوير جنوب المملكة العربية السعودية الذي يتمتع بمناخه المعتدل وجباله الخضراء لجذب السياح المحليين والخليجيين. وجنوب المملكة جذب على مر السنين الزوار المحليين والخليجيين رغم عدم وجود بنية تحتية كافية لاستيعاب الطلب والمملكة بصدد معالجة هذا الأمر.

أما قطاع الترفيه فقط حقق نجاحات هائلة، وضعت المملكة على خارطة الثقافة العالمية. فأقيمت الحفلات الموسيقية، والمعارض الفنية، لتصبح السباقة في جلب كبار الموسيقيين والمثقفين وفتحت أبوابها للسياحة الداخلية بدلا من السفر إلى الخارج. فأصبح لمئات آلاف الشباب والشابات متنفس ثقافي وفني محلي يلبي تطلعاتهم. وسمح ذلك للاقتصاد الاحتفاظ بنسبة كبيرة من الإنفاق السياحي داخل المملكة. ومن الواضح أن هذا البلوغ الجديد إلى وسائل الترفيه قد لبى طلبًا محليًا ضخمًا لم يكن مُرضيًا في السابق.

فيما يخص الرياضة، أثبت هذا القطاع أنه رهان استثماري واعد، خاصة للمشاركة النسائية التي فتحت أبوابها لهم. وبصرف النظر عن الفوائد الصحية الكبيرة التي تعود على المجتمع السعودي من الرياضة، فإن هذا القطاع سيساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي كما هو الحال في العديد من اقتصادات الدول الغربية. ولتعزيز ومساندة هذا القطاع يجري بناء مدينة رياضية/ترفيهية تواكب تطور قطاع الرياضة بجوار الرياض، أطلق عليها اسم القدية.

فيما يخص القطاعات الأخرى عمدت المملكة إلى الاستثمار في الصناعات الحديثة ومنها على سبيل المثال لا الحصر صناعة السيارات الكهربائية أو تجميعها في المملكة، ومواكبتها عبر صناعات خدمات الدعم المطلوبة. وتعاقدت المملكة مع ثلاث من كبار شركات تصنيع السيارات الكهربائية وهي: هونداي، ولوسيد، وسير، (Hyundai وLucid وCeer،) وقد بدأوا إنشاء مرافق التجميع والتصنيع وخدمات الدعم المطلوبة. ونذكر أيضا مبادرات أخرى ذات التقنية العالية كقطاعات الطاقة البديلة كالطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر والأزرق.

وقد بدأت هذه العملية بالفعل مع تطوير مصنع كبير للهيدروجين الأخضر في نيوم من خلال مشروع مشترك بين شركة Air Products ومقرها الولايات المتحدة وشركة أكوا بور ACWA Power ومقرها السعودية. وستكون هذه المنشأة أكبر منشأة تجارية للهيدروجين على مستوى العالم تعمل بالطاقة المتجددة بالكامل.

في حين أثارت الدهشة هذه المشاريع بسبب نطاقها الهائل وتكاليفها الرأسمالية الكبيرة فإن العمل جار على قدم وساق في تطوير المعلم السياحي، والصناعي، والتقني المبتكر في نيوم ومشروع المربع العقاري في الرياض، آخذة بالاعتبار التدفقات المالية للدولة حيث تستجيب الحكومة لإشارات السوق، فتبطء أو تتروى بعض الشيء في تنفيذ بعض عناصر هذه المشاريع. والحكومة هي في صدد إنجاز مشروع المربع العقاري في الرياض. من المحتمل أن تقلل الحكومة اندفاعها في تحقيق بعض من عناصر هذه المشاريع لكنها لم ولن تتوقف، بل سيكون لهذه المشاريع أفقا زمنيا أطول مما تم ذكره المخطط الأولي. وأولى هذه المشاريع إطلاق جزيرة سنداله، هذا العام.

إن رؤية 2030، بمبادراتها، ومساندة، ومشاركة للمرأة في القوى العاملة، ستصل حتما إلى غاياتها المنشودة في حال نجحت واحدة أو اثنتين فقط من القطاعات التي ذكرناها ليعتبر استثمارا نوعيا باهرا، سينقل الاقتصاد من اقتصاد يعول فقط على قطاع النفط إلى اقتصاد متنوع المصادر والقواعد. فقاعدة الاستثمار الجريء هو تنويع المحفظة الاستثمارية بالعديد من القطاعات، وفي حال نجحت إحداهن أو اثنتين يكون الاستثمار قد حقق نجاحا مدويا بسبب العائد الكبير الذي سيجنى من القطاعات الناجحة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.