بدايات سطوة العامة

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

تتمثل بدايات السلوك العامي في الفترة الإسلامية الظاهرة الخشونة والجلافة في وقائع نقلها لنا مبكرا أهل الحديث والسير في كتبهم ومنها الواقعة التي ذكرها البخاري ومسلم في صحيحيهما.. روى الإمام مسلم في صحيحه :
((...عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبِضُ مِنْهَا، يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ، قَالَ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: دَعْنِي، يَا رَسُولَ اللهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللهِ، أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» ))

تمثل هذه الواقعة المرحلة التي بدأ فيها انضمام القبائل العربية أفواجا للإسلام، فموقعة حنين حدثت في العام الثامن من الهجرة أي قبل وفات الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاثة أعوام تقريبا.

وتحولت الدعوة إلى الشمولية العددية بين البوادي والحواضر، فما كان يمارسه الرسول صلى الله عليه وسلم من جهد تثقيفي لأتباع الدعوة الجديدة أصبح جهدا شبه مستحيل مع المسلمين الجدد، وأصبح هناك خليط من البوادي وأشباه الحواضر، ولو تأملنا الجيل الذي أشرف على تثقيفه وتربيته الرسول صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنه الجيل المبكر الذي صحب الرسول من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم جميعا، وهو الجيل الذي تقلص عدده في حروب الردة، وهو الذي استعان به عثمان في جمع المصحف، وهو الجيل الذي تكونت منه النخبة المبكرة، وهو الجيل الذي وصلت لنا أسماؤهم في كتب تراجم الصحابة غالبا.

إلا أن هناك صحابة لم يعرفوا لا اسما ولا عينا وهم كثير ومنهم هذا الذي قال ((... يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ ...)) هذا الرجل لم يذكر اسمه في هذا النص وإن قيل إن اسمه ذي الخويصرة في مصادر أخرى وأنا أشك في اسمه. وما أراه إلا أن اسمه واسم قبيلته قد أدرج فيما بعد، والدليل أن ذي الخويصرة لم يترجم له المزي في تهذيب الكمال ولا ابن حجر في تهذيب التهذيب أو تقريب التهذيب، ولم يكتب ضمن الصحابة مصرحا به إلا متأخرا في القرن السابع تقريبا. ومن خلال السبر نجد أن الصحابة الذين صدر منهم فعل مشين لا تصل لنا أسماؤهم كما حدث مع الأعرابي الذي بال في مسجد الرسول أمام الصحابة وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قيل إنه هو ذي الخويصرة، خلاصة الكلام أن هناك اضطرابا في اسم ذي الخويصرة.

ما أريد قوله أنه لم يرد علي نص مبكر يعبر عن الجلافة مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل نص ((... يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ ...)) ولو قيل مثل هذا الكلام في مثل هذه الأيام لقال العوام (الصحوة): هذا رجل لا تأخذ في الله لومة لائم لله دره، لأن آليات التفكير العامي متشابهة سواء كانت قديمة أو حديثة بل إن هناك مشابهة واضحة في طريقة الفهم والترجيح، وهذا نجده خصوصا فيما وصل لنا في السيرة النبوية وبعض الأخبار التي وصلت لنا عن طريق السنن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط