تموجات الحياة البرلمانية.. ومحطة الشيخ محمد

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

لم تسمح الظروف التي خرجت منها أول تجربة لمجلس أمة في بداية الستينيات من وضع كتيب يلقي الضوء على أبرز الأهداف التي أرادها الشيخ عبدالله السالم أمير الكويت، كصيغة تتجسد في وثيقة دستورية لحكم الكويت تجمع الشرعية الدستورية وشعب الكويت في ائتلاف جوهره الحوار المباشر، يعمق أعمدة الاستقرار ويؤمن طريقاً هادئاً لمسيرة المستقبل، متفق عليه بين جميع الأطراف، كوثيقة حكم خرجت من قناعة جماعية تقبلها نظام الحكم واقتنع بها الشعب.

أراد الشيخ عبدالله السالم، أمير الكويت، أن يكون هذا الاتفاق بين الحكم والشعب تزاوجاً، موثقاً، يعبر فيه شعب الكويت عن التزامه بالمبادئ التي تحملها هذه الوثيقة حيث الشعب يمارس اختيار ممثليه عبر انتخابات حرة يخرج منها أعضاء البرلمان الخمسون الذين سيمثلون الشعب الكويتي، في رابطة البرلمان، التي تضم مجلس الوزراء، من رئيس وزراء ومساعديه من الوزراء، كل ذلك يتم برعاية سمو أمير البلاد صوت الشرعية وحامي الوطن.

وخرج دستور الكويت من صيغة تتزاوج فيها الحكومة مع أعضاء البرلمان، في إدارة الوطن، تتمثل هذه الشراكة التزاوجية باجتماعات تضم الطرفين تنقب عن أفضل الآليات لتحقيق الأهداف المشتركة الواردة في الدستور، والتي تتحقق بالتوافق البرلماني - الحكومي.

ومن دون هذا التوافق، لن تتمكن الحكومة من تحقيق الأهداف، لأن جوهر وثيقة الحكم هي المشاركة، فلا معارضة في الدستور ولا مناكفة، فالدستور كوثيقة جماعية يظل مؤثراً فعالاً مع الإجماع، فلا يتحقق أي هدف ولا فعالية للدستور دون التوافق البرلماني_الحكومي، والحقيقة أن عدم تواجد كراس يشرح الأهداف ويوضح آلية الإجماع التي ترافق صيغة التزاوج ولّد فراغاً خرجت منه اجتهادات أدت إلى ضعف في الترابط الحكومي - البرلماني، وتحولت إلى مواجهة ومعارضة أفرزتها مداولات المجلس، خاصة في الانتخابات التي حدثت في أواخر عام 1963، وما أطلق عليه المادة (131) وخلاصتها لا تجارة مع عضوية البرلمان.

وأعتقد أن الحل الذي اختاره أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم لأزمة المادة (131) استبدال تشكيلة الوزارة بمجموعة أخرى استفادت منه المعارضة الناشئة وأفرز تعالي صوتها على روح الترابطية التي هي جوهر الشراكة بين الحكومة والبرلمان.

والحقيقة أن النواب الذين أثاروا فعالية المادة (131) استمروا في ممارسة المعارضة والانتقاد، وهيأوا الطريق لبروز معارضات مختلفة تمثلت في تجمعات دينية ملتزمة ونواب لهم ترابط مع أحزاب ذات أيديولوجية عربيةـ استفادوا كثيراً من بروز ممر للنقد والاعتراض، وشكلوا تجمعاً معارضاً لبرامج الحكومة لاسيما حول الدبلوماسية الكويتية النفطية.

يمكن القول بأن روح الدستور الجماعية قد ضعفت مع تصاعد جاذبية المعارضة التي اتسعت دروبها بالاستجواب وممارسة سحب الثقة من الوزراء. ومن هذا التحول تسللت إلى الممارسة الدستورية فنون البحث عن وسيلة للحفاظ على سلامة التشكيلة الحكومية مع بروز استسهال الاستجوابات وحصيلتها في طرح الثقة، ويرافق كل ذلك إزعاجات سببت انخفاض الرغبة في التوزير لاسيما بين المرغوب في توزيرهم من أصحاب التخصصات، والأخطر انخفاض شموع اللمعان التي كانت ترافق التوزير، كما تراخت إغراءات العضوية بالبرلمان.

ومع السجل المتصاعد لسلبيات التجربة البرلمانية، وما تعرضت له في الماضي، وفي ضوء انطلاق سمو الشيخ محمد الصباح السالم، كرئيس للوزراء، أود التعبير مشاركاً صوت الشعب الكويتي في الترحيب به لتوليه قيادة الحكومة، آملاً أن يحقق ترابطاً تعاونياً مع البرلمان، يمكنه من تنفيذ برنامجه التنموي الشامل، مع فريق جامع لمؤهلات وخبرات تسهل تحقيق الأهداف.

ويمكن أن أرفق ذلك برجاء أن يواصل المهمة ولا يضجر ولا يتردد في الإصرار على إخراج الكويت من البطء والجمود، نحو التركيز على مواجهة الاعتراضات البرلمانية بالصراحة، معتمداً على دعم شعبي جارف، من جميع فئات الشعب الكويتي الأمر الذي يسهل مهمته في اللحاق بالتطور السياسي والفكري والتنموي الذي تنتظره البلاد.

ولا شك بأن الشعب الكويتي مدرك بأن الانجاز لا يتحقق خلال فصل أو فصلين وإنما يتطلب وقتاً مناسباً وجهداً سخياً ودعماً جماعياً وصبراً ضرورياً وحشداً متكاملاً، فلا بديل عن التقدم الذي سيعمق الأسس التي تقف عليها حكومة سمو الشيخ محمد الصباح، فالكويت بحاجة إلى تواجد هذه الحكومة بشكل متواصل، لا ضجر فيه ولا تململ، مسنودة من شراكة برلمانية داعمة، وبذلك يحقق سمو رئيس الوزراء تواجد البرلمان داخل مسار برنامج الحكومة الذي صادق عليه.

أود الإشارة في هذا المجال إلى الحذر من المبالغات في الانجاز مع توازن ضروري بين حجم المفردات وبين الانجاز، فالشعب الكويتي يصر على عرض الحقيقة دون ضبابية تبالغ في التوقعات وتقزم العقبات، وهو المسار الإعلامي الذي اعتاد عليه شعب الكويت، فأكثر ما دمر إعلام الدول العربية الثورية هي البيانات التي تزف الأخبار المريحة للحكم دون أدنى اعتبارات للمصداقية.

لا داعي للتذكير بأن من أهم الواجبات التي لا مفر منها ضرورة التواصل مع مختلف أطياف الشعب عبر الإعلام مباشرة، وفق نهج لا ينقطع في الحوارات الإعلامية وتزويد المجتمع بكل التفاصيل التي يتوقعها حول مسيرة التنمية وعقباتها إن وجدت وحجم إنجازها.

ونعترف بأن الإعلام قوة لمصلحة الحكومة إن صدقت، سواء في إنجازاتها أو في شرح عقباتها، ومن حسن الحظ أن سمو رئيس الوزراء يثمن دور الإعلام في متابعة مسار الحكومة حول برامجها وحول علاقاتها مع البرلمان، وحول أيضا متانة الترابط الحكومي - البرلماني.

هناك شعور شعبي قوي بأن وزارة الشيخ محمد الصباح قادرة على الإبحار إلى أوسع مدى للحفاظ على سلامة العلاقة بين البرلمان والحكومة، ولا شك بذلك، لكن الحلقة المزعجة التي يجب أن يتسلح لها سمو الرئيس هي مداخلات بعض النواب للتوسطات بما لا يتفق مع القانون مع اختيارات نيابية لمضايقة الوزراء في اللجوء إلى ما يسمى الاستجوابات التي لا تأتي من مسببات قانونية أو سياسية، وإنما بحثاً عن رغبة لخدمة موظفين يشكلون حجماً من الأصوات التي يحتاجها النائب للفوز.

والملاحظ أن المواجهة بين الوزير المختص والنائب الراغب في الاستجواب يحمل دائماً تشدداً في المفردات وتوتراً في السلوك.

هذه الحالات تأتي من أولويات النائب الذي يعتبر ضمان العودة أهم من وثيقة التنمية ومن جميع برامج الحكومة، وربما من المفيد أن يتسلح الشيخ محمد بكتائب من المؤيدين يساهمون في إبعاد احتمالات المواجهات التي تخرج من مسببات ثانوية وإنما يخصها النائب بأولوياته.

لا بد من توفير كل مسببات النجاح لسمو الرئيس خاصة مع علو موجة التفاؤل الشعبي الذي رافق اختياره لقيادة الحكومة، وله أصدق الدعاء لتحقيق البرنامج الذي ينتظره شعب الكويت.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.