سحر الدواوين.. وفائض المعلمين

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

يحمل شهر رمضان المبارك محتويات كويتية خاصة، تنسجم مع الالتزام الجماعي بحقوق رمضان، في عفة السلوك نهاراً، مع الانطلاق الصاخب ليلاً، يتمثل في التنقل للوفاء بواجب المباركة لحلول شهر رمضان الفضيل، في زيارات يحركها الشعور بالواجب لتبادل التبريكات، إلى مختلف الدواوين المنتشرة في أحياء الكويت، يرافقها الارتباك في التنقل لكثافة السيارات وتكاثر الضوضاء، والبحث عن مواقف لركن السيارة، والتوجه إلى داخل الديوانية.

سألني أحد الزوار الأوروبيين عن مسببات انفراد الكويت بظاهرة الديوانيات، التي لا تتوقف وتزداد أعدادها في كل عام، كما لم تؤثر تبدلات الحياة على ولع الكويتيين بالدواوين، كان جوابي المستخرج من معايشة، أن الديوانية مكان تجمع لجميع الفئات، لاسيما رجال البحر، الذين يتكاثرون في الصيف، ويتلاقون في هذه المجالس، ليس فقط للتلاقي الاجتماعي، وإنما للتواصل مع البحارة الذين يتنقلون مع ربان السفينة لغرضين: تسلّم كل بحار لحقوقه من حصيلة السفر لعام، وتأكيد عزمه على البقاء مع النوخذة، أو أنه يرغب في الانضمام إلى سفينة أخرى بقيادة ربان آخر.

كنت شخصياً أراقب هذه التجمعات، التي يجتمع فيها شقيقي النوخذة عيسى بشارة مع بحارته، كنت أراه يدفع لكل شخص حقوقه كاملة، لأن الثقة بين البحارة والنوخذة أساس مهنة الأسفار، فليس فيها غش أو تزوير.

ذلك زمان انتهى، لكن الديوانية حافظت على محتواها الواسع، فهي مجلس مناقشة سياسية معيشية ثقافية، فيها تبادلية الأخبار عما يدور، وتحليلات لمعاني قرارات الحكومة، وتحولات العالم العربي، فضلا عن ممارسة هوايات مسلية تملأ وقت من لديه فراغ.

كانت هناك دواوين لا علاقة لها بشؤون البحر، وإنما توفر مكاناً للترحيب بالزوار، وأبرزهم أمير البلاد، حيث كان تبادل الزيارات فيها لا يعرف القيود، كما تلازمت ظاهرة «الغبقة» مع حلول شهر رمضان، وهي كلمة عربية معناها الأكل المتأخر ليلاً، تعبّر عن التلاقي الاجتماعي الرمضاني المتميز بحميمية الترابط والمنسجم مع الصوم ورسالته.

كما لا يغيب عن فضاء الديوانية حوار الثقافة والأدب، والتقاط الأخبار الداخلية والإقليمية والعالمية والتفاعل معها، واستخراج معانيها ومدى تأثيرها على واقع الكويت.

الديوانية عنوان المجتمع الكويتي، وموقع التلاقي ومكان الاجتهادات في التحليلات عن الداخل والخارج، وهي فوق ذلك توفر إغراءات التسلية، والمتمثلة بممارسات تراثية عبر إنشاد قصائد دينية وروايات الشعر، والأهم في نظام الديوانيات أنها مكان تجمّع آمن، يتواجد فيه المفيد والمرغوب فيه، الأمر الذي يؤكد الارتياح للأسر وللوالدين، فهي ملتقى آمن، لا هموم تخيف، ولا وسواس يقلق، ولا ضعف يزعج.

هناك ديوانيات في دول الخليج الأخرى، أعدادها لصيقة بمهن محددة، وتقوم أيضاً بتفريخ أجواء اجتماعية ملائمة، يلتقي فيها أصحاب المهن، التي تهم أهل الديوان، لكنها لا تملك الفضاء الواسع، الذي تشغله ديوانيات الكويت.

في هذا الشهر المبارك زرت بعض سفارات دول الخليج، التي تأثرت بالبيئة الكويتية، فاتجهت لترتيب لقاءات الغبقة في مقراتها، وتبنت منحى التعامل الايجابي والودي مع مقتضيات تجمّع رمضان، بما فيه من التزامات، لاسيما متطلبات الغبقة.

كانت مواقع عدد كبير من الديوانيات على ساحل البحر، حيث يتواجد بعضها الآن في مكانها التاريخي، مثل الملا والروضان والنصف والعسعوسي والشملان، ثم البدر في الجهة الأخرى من المدينة، وديوان العثمان، وانفتحت مواقع جديدة لعائلات كانت لها ديوانيات في الكويت القديمة، وانتقلت معها إلى مناطق السكن النموذجي، ومن السهولة مشاهدتها في كل الأحياء الجديدة من الضاحية وما جاورها من مناطق أخرى، وهناك ديوانيات في المناطق الجنوبية، ولها مناخ بنسيم صحراوي يهب باعتدال في أجوائها.

تبقى الديوانية الكويتية مناخاً يثير الوعي الفكري والثقافي، وموقعاً للتسلية وللتعارف، وفوق ذلك عاملاً للارتياح وللاستقرار، وعنواناً للتلاقي الكويتي بكل طوائفه وتنوعاته المزاجية.

الديوانية مؤسسة كويتية تاريخية، نبعت من ضرورات تجمّع أهل البحر، وتمتد إلى أهل الصحراء في تكاتف القبائل وتواصلها، ومع الوقت تواجدت الديوانية في كل حي من أحياء الكويت القديمة والحديثة، وانغرس واقع الديوانية وحياتها في الضمير، لجميع الطوائف في الكويت.

فائض المعلمين في الكويت.. من يصدق؟

نشرت صحيفة الجريدة، في عددها الصادر يوم الإثنين، 25 مارس، عنواناً تقول فيه «إن عدد المعلمين الكويتيين 73 ألفاً، منهم ثلاثة وعشرون ألفاً يشكلون فائضاً عن الحاجة»، وأظن أن الوزارة محتارة في كيفية التعامل مع هذه الأعداد الفائضة من رجال ونساء، ويحملني هذا الخبر إلى الماضي البعيد، حيث التحقت بالتدريس في ثانوية الشويخ محمولاً بالمثالية ومتفائلاً من عطائها، وراسماً للمدرّس مكانة يقطنها ذلك النوع من البشر، الذي يضحي خدمة للمجتمع، مثل رجال الدين، أصحاب الثقة في العائد السماوي والاجتماعي، ثمناً للتضحية واقتناعاً بالاستثنائية التي تلحق بالمدرّس، تكريماً لاختياره التدريس وتثميناً لفدائيته.

وكنا نستنجد بما يحتويه الأدب العربي من ثناء وتقدير لدور المعلم في نهضة المجتمع، حتى كاد أن يكون رسولا، كما جاء شبه التقديس في التراث العربي والأوروبي والعالمي.

واستطيع القول، وانسجاماً مع المثل الكويتي والعربي، حيث يشير إلى مصداقية المجرب، وأنا من الذين جربوا هذا المسار، فلا داعي للبحث عن طبيب أو من يشخص حالة المدرس، الذي يتوقع منه المجتمع أن يكون مثالياً في السلوك، متعالياً عن النزعات، محصناً من المغريات، صافياً من النوايا، نموذجياً في التواصل، أبوياً في النصيحة، فدائياً في العطاء، وجباراً في الالتزام، وفخوراً في مهنته، وزيادة على ذلك، يبقى مرصوداً بالأعين في حياته، ومع كل هذه الأثقال تظل تضحياته لا تتناسب مع العائد الذي يحققه، ولا تقترب من مكانته في الحرص على نقل المعلومة بأسلوب مغر وجذاب، ويجاهد ليلاً للتأكد من صواب ما يقول، ويتقبل طيش بعض الطلبة المحبين للراحة والكارهين للواجبات، وأقسى من كل ذلك، أن حصيلته الشهرية أقل من الآخرين، الذين عملوا في الوزارات الأخرى للدولة، لكنه يصمت لأنه محمول بعلو النبل، ومدفوع بحرارة حسه الوطني.

والمؤلم أن المدرسين في كل بقاع العالم يعانون من رصد المجتمع لسلوكهم أينما كانوا، تتبعهم الأعين، متصورة أنهم نوع آخر من البشر، لا يخطئ ولا يتذوق، ومحمي بغلاف الكمال.

ما زال المعلم يعاني من ضعف في المعاش وانخفاض في التقدير، وفوق ذلك، لا مكان له في أحاديث المجتمع، ويستمر صوت أنصاره منخفضاً، هذه حالة ترافق المدرسين أينما كانوا.

وعن مصير فائض المدرسين في الكويت، فللأسف واقع معيب يتحمّل أثقاله غياب التخطيط واختفاء حسابات المستقبل، لن يهاجر هؤلاء المدرسون، ولن ينخرطوا في موكب الموظفين، وظيفتهم فريدة في رسالتها، ونبيلة في عطائها، وضيقة في ترقياتها، وضعيفة في اغراءاتها، تضم المثاليين المحمولين بطاقة وطنية تطغى على سلبيات المهنة، وأشهد بأن عدداً كبيراً من هؤلاء «الفائضين» استجابوا لصوت الوطن للالتحاق بمهنة المتاعب والتقتير، بعيداً عن احتمال نقلهم إلى شريحة «الفائضين»، وهم الآن بذمة وزير التربية.

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط