قرار مجلس الأمن ومستقبل الأمم المتحدة

محمد بدر الدين زايد
محمد بدر الدين زايد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على قرار مجلس الأمن الأخير بشأن إيقاف العدوان الإسرائيلى على غزة خلال ما تبقى من رمضان وأن يكون هذا ممهدا لوقف دائم لإطلاق النار، ثم أساءت واشنطن لنفسها كما اعتادت -ما دام أحد لا يستطيع محاسبتها- بطمأنة إسرائيل بأن هذا القرار غير ملزم، ومع ذلك أثار القرار غضب نتنياهو وحكومته بلا حدود وقام بإلغاء سفر وفد أمنى إسرائيلى كان مقررا سفره إلى واشنطن.

وفى الحقيقة أن التصريحات الأمريكية بشأن عدم إلزام القرار فضلا عن عدم صحتها تستكمل إثارة قضية جوهرية عن الدور الأمريكى فى إنشاء الأمم المتحدة ثم تهميشها وإرباكها وتسببها فى وضع بائس للمنظمة يهدد مستقبلها ومصير المنظومة الدولية كلها.

المشكلة الأولى هى الخلط بين عدم الإلزام ومسألة أخرى وهى القدرة على فرض قرارات الأمم المتحدة، فوفقا لميثاق الأمم المتحدة الذى اعتمدته كل الدول الأعضاء بما فيها واشنطن فإن قرارات المنظمة ملزمة بحسب المادة 25 من الميثاق، ومن هنا فإن تصريحات الحكومة الأمريكية ومندوبيتها فى الأمم المتحدة بعدم الإلزام هو أمر يدعو للخجل ويكشف مدى التردى الأمريكى، لأن الخلاف هو عن صدور القرار تحت الفصل السابع من الميثاق الذى يضمن الإجراءات أو العقوبات حال عدم التجاوب مع تنفيذ القرارات، وبالمناسبة القرارات التى تصدر بحسب الفصل السابع من الميثاق هى الاستثناء وليس الأساس، وهذا ما يفسر عجز الأمم المتحدة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وبالمناسبة أيضا فإن قرار مجلس الأمن 242 بشأن الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى المحتلة عام 1967 والذى تستند إليه الشرعية الدولية ولم تتراجع عنه واشنطن -على الأقل شكليا - لم يكن صادرا وفق الفصل السابع من الميثاق.

الحقيقة أن مشكلة الأمم المتحدة أكبر من هذا البعد، وهى أننا ننسى أن فكرة المنظمة وميثاقها نشأت فى ظل احترام سيادة الدول، وأنها كانت نتاج التوازنات الدولية التى أنشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، وأنه رغم أن الميثاق وضع آليات محددة للتعامل مع تهديدات السلم والأمن الدوليين ورفض العدوان، إلا أنها كانت مشلولة أغلب الوقت بعد إنشائها بسنوات قليلة بسبب الحرب الباردة وحق الاعتراض الفيتو، وفى الحالات القليلة التى توافق عليها العملاقان خلال هذه العقود كانت الأمم المتحدة تنجح فى تدخلاتها.

ثم جاءت مرحلة الهيمنة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وسيطرت واشنطن ومعها القوى الغربية على المنظمة مع نهايات ثمانينيات القرن الماضى والمستمرة حتى الآن بدرجة أقل ولكن فى عهد السلام الأمريكى هذا لم تنجح المنظمة فى تحقيق اختراق كبير بسبب سياسات واشنطن ذاتها التى استخدمت المنظمة بالشكل الذى تريده، تسمح لها بهامش تحرك ما فى التسعينيات فى بعض الأزمات الدولية وتزيحها فى أزمات أخرى تتدخل فيها مباشرة، أى أنها تدير العالم، وفقا ما تريد وبمعاييرها المزدوجة ومصالحها، وتستبعد طوال الوقت دور المنظمة فى القضية الفلسطينية التى تفضل دوما ومنذ ما بعد حرب أكتوبر إدارتها منفردة وبالشكل الذى يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل.

من هنا أشرفت واشنطن تقريبا على كل جهود السلام والتسويات بين العرب وإسرائيل واستبعدت القوى الأخرى وهمشتها وعلى رأسها المنظمة الدولية، فهى لا تعتبر نفسها وحدها فوق الأمم المتحدة، بل أيضا تشرك إسرائيل فى هذه المكانة، فكلاهما يعتبر الديمقراطية الدولية ليست فى صالحه ولا تنطبق عليه.

يبدو أن العالم ينسى أيضا الجدال الذى يهدأ ثم يعود فى الولايات المتحدة منذ انهيار الكتلة السوفيتية عن إصلاح الأمم المتحدة وتخفيض ميزانيتها، وحديث البعض من غلاة الانعزالية عن جدوى المنظمة واستمرار تحمل واشنطن جزءا من أعباء ميزانيتها، ألم تثر مادلين أولبرايت الكثير من العواصف فى هذا الصدد، ولو ترك الأمر لبعض الأصوات الأمريكية فمن المحتمل أن ينهى تواجد المنظمة فى نيويورك، ولكن المفارقة الهزلية هنا، هى أن مجرد وجود المنظمة فى نيويورك والدور المؤثر الأمريكى لها فى تفاعلاتها وتسييرها أحد ملامح القوى العظمى الإمبراطورية الأمريكية وأن تغير هذا سيكون ممكنا عندما تنتهى حقبة السيطرة الأمريكية على العالم.

فالنظام الدولى الراهن المؤسس على الأمم المتحدة قد أخفق ويحتاج لتطوير هيكلى يتجاوز الحلول المبتورة المطروحة منذ سنوات، سواء مسألة تحسين البيروقراطية وتنقيتها من الكثير من الشوائب، أو فيما يتعلق بمسألة التعامل مع العضوية الدائمة لمجلس الأمن، وفى هذا الصدد فإن كل مشروعات توسيع العضوية بمقترحاتها المتنوعة لن يسفر عنها سوى إضافة تعقيدات جديدة وآخرين يتمتعون بحق الفيتو، بل لعلها قد تؤدى إلى شلل أكبر، فالمسألة تحتاج إلى رؤية عميقة لكيفية اضطلاع المنظمة بدورها فى حفظ السلم والأمن الدوليين وإدارة عالم يزداد تعقيدا وتزداد فيه الحاجة للتعاون لمواجهة التحديات الصعبة أمام البشرية وعلى رأسها مكافحة الفقر والتغير المناخى وتحديات الذكاء الاصطناعى وثورة الاتصالات.

المؤسف أن التغيرات الكبرى التى عرفها التاريخ وأدت إلى إنشاء عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة كانت حروبا عالمية مدمرة، وهذه المرة نعرف أن المنظومة الدولية أخفقت وتحتاج إلى تعديل، ولكن العالم لا يتحمل حربا عالمية فى ضوء المخاطر النووية، ولم ينضج بعد للقيام بتحولات جادة لإصلاح المنظومة، وليس من الحكمة إسقاط المنظومة الأممية كذلك دون بدائل. مازلنا بحاجة لمزيد من الوقت وربما لوقفة أخرى.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط