ما يقلق "حزب الله" على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية

وليد فارس
وليد فارس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

في الأيام الأخيرة حصل تطور ربما صغير في حجمه الميداني على الأرض، لكنه أقلق "حزب الله" استراتيجياً إلى حد تسريب قيادته تقارير بأن الميليشيات الإيرانية تسعى إلى وقف إطلاق "جدي" مع إسرائيل، إضافة إلى رحلات الموفد الأميركي إلى لبنان أموس هوكشتاين المكوكية بين تل أبيب وبيروت وواشنطن للتوصل أيضاً إلى صفقة تهدئة بين الدولة العبرية والميليشيات الخمينية على الأراضي اللبنانية.

بالطبع هناك أسباب استراتيجية عدة تضغط على المحور الإيراني "لتجميد" جبهة جنوب لبنان ريثما تتضح الصورة بالنسبة لجبهة غزة. أضف إلى ذلك تصعيد مؤيدي "حماس" و"الإخوان المسلمين" لما يبدو أنه سيتحول إلى "جبهة داخلية" أردنية، إذ ستحاول قوى المحور أن تضرم النار مع إسرائيل على طول نهر الأردن، ولكن ذلك ملف آخر سنتناوله قريباً.

إذاً، هناك كثير من التطورات قد تملي على طهران أن تلعب على البيانو عبر خط الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، أي أن تتنقل بين إشعال الجبهة وتهدئتها، وذلك للتحكم باللعبة الإقليمية من باب المندب إلى كردستان، ولكن يبدو أن حالة ما ظهرت في المنطقة الحدودية الجنوبية في لبنان باتت تضع ضغطاً إضافياً على "الضاحية"، وقد تلزمها باتخاذ قرارات خطرة ودراماتيكية. فلنستعرض الوضع.

"جنوبان"

خلال الأسبوع الماضي حاول "حزب الله" أن ينشر منصات صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، داخل "خراج" (أي الحدود الإدارية) لبلدة رميش الملاصقة للحدود مع إسرائيل، فتصدى أبناء البلدة لهم سلمياً وطلبوا منهم الانسحاب لأن السكان لا يريدون تحمل رد الفعل الإسرائيلي والدمار.

وكانت القوات الإسرائيلية ردت على مصادر النار "الإيرانية" من لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مركزة على مصادر إطلاق النار من مواقع الحزب، ومستثنية البلدات والقرى الجنوبية التي رفضت المشاركة بالحرب، لذا تكونت حالة أمر واقع في المنطقة الجنوبية، بين قرى وبلدات تشارك في احتضان الميليشيات، وتتلقى الضربات المضادة من إسرائيل، وبلدات وقرى أخرى لم يدخلها الحزب بعد، ولم تتعرض للقصف.

خلقت هذه الثنائية جواً من الغضب النفسي داخل ديموغرافية الحزب، إذ خرجت جموع حاشدة من مدنيي القرى الشيعية إلى الشمال والبقاع، هاربة من القصف، بينما مكث معظم أهالي القرى المسيحية والدرزية والسنية في بيوتهم وأحيائهم، مما خلق جواً إحباطياً لدى قواعد الحزب.

شعر مناصرو الميليشيات وكأن وقوفهم إلى جانب المحور الإيراني كلفهم مغادرتهم منازلهم، بينما "الجنوب الآخر" نعم بالأمن والطمأنينة، فانقلب شعور الاستعلاء الذي ميز طبع أنصار الحزب الخميني في لبنان إلى شعور بالمر لأنهم اعتادوا على الامتيازات لعقود، وباتوا يرون "المقهورين" أي المستعلى عليهم، لا يقصفون ولا يهجرون. فانتشر جو من الغضب حيالهم وقررت قيادة الحزب أن تكسر سلام المقهورين بنصب مدفعية ووحدات صواريخ داخل مناطق أقليات الجنوب اللبناني، لاستدراج القصف الإسرائيلي على جميع القرى و"توحيد الجنوبيين باستدراج إسرائيل لقصفهم".

وبالفعل، أرسلت قيادة "حزب الله" منذ أشهر راجمات صواريخ إلى داخل المناطق غير الشيعية. وكانت موجة من الاستياء الشعبي قبل حرب غزة وصلت إلى حد استيلاء شباب دروز على قاذفة صواريخ دخلت قريتهم في جنوب لبنان العام الماضي. إلا أن الأمور تغيرت منذ السابع من أكتوبر 2023، لا سيما منذ تطورات بلدة رميش.

"تطور رميش"

خلال الأسبوع الماضي حاولت وحدة من "حزب الله" نصب صواريخ في بلدة رميش، فهرع الأهالي لمنعها وحصل تلاسن وتدافع، انسحبت الوحدة على أساسها، وانفجرت تعبئة داخل البلدة ودقت أجراس الكنائس، واستدعي المراقبون الدوليون وعناصر الجيش اللبناني، ومندوب الفاتيكان المحلي، وشارك آلاف في صلوات جماعية في الساحات العامة.

خشيت قيادة الحزب على الجبهة الجنوبية من استعمال أهل رميش لسلاحهم الفردي ضد الميليشيات، مما قد يخلق فوضى على الجبهة، وانتشر القلق لدى مسؤولي الحزب عندما انضمت قرى أخرى في قرع الأجراس والتعبئة، ومعظم الظن أنها قررت عزل رميش جغرافياً عن باقي الجنوب مع إرسال قوات أكبر لتطويق البلدة بحجة نصب قوة نارية لقصف إسرائيل.

وأفادت مصادر جنوبية بأن الهدف الحقيقي لمحاولة عزل رميش كان فعلياً لاجتياحها وتصفية المعارضين فيها للميليشيات الإيرانية، ونشر الرعب في القرى التي لا تستقبل قوات الحزب. إلا أن تحرك وحدات "حزب الله" عسكرياً، استدرج قصفاً إسرائيلياً ألزم الميليشيات الابتعاد عن البلدة.

لعل هذا التطور شكل صدمة في لبنان لأنه أتى بمعادلة جيدة على الساحة، وهي أن القرى التي لا تريد وجود "حزب الله" حربياً بإمكانها أن تتظاهر وترفض سلمياً وجوداً كهذا. وعندما يقرر الحزب أن يفرض وجوده بالقوة العسكرية ويتقدم باتجاه هذه القرى يصطدم بالجدار الناري الإسرائيلي.

"جنوب محايد"

هل يخرج من هذه المعادلة جزء من الجنوب يختار الحياد الميداني ويخلق جزراً محايدة غير مقاتلة على طول المنطقة الحدودية؟ وإذا نجحت رميش في أن تدخل الحياد الميداني في هذه الحرب فهل ستتبعها بلدات أخرى كعين إبل والقليعة ومرجعيون ذات الأكثرية المسيحية، وتتبعها قرى درزية في حاصبيا أو الماري، وربما الإباهية، أو يارين ومروحين وبرج الملوك السنية، وغيرها. وإن أعلنت هذه البلدات "حيادها" هل سيقصفها "حزب الله"، أو يحاول اجتياحها؟ وهل ستضرب إسرائيل قوات "حزب الله" بصورة تشبه "مناطق ممنوعة" على مشاته، وهل سيؤدي ذلك إلى قيام جنوبين، جنوب إيراني وجنوب محايد؟ وكيف سيكون تأثير هذه المعادلة في استراتيجية إيران و"حزب الله"؟

جميع ما سبق أسئلة لا تنتهي، لكن أخطرها هو السؤال التالي، إذا خرجت بلدات من جنوب لبنان عن سلطة "حزب لله" بفضل حيادها وحرب إيران مع إسرائيل، فهل يخرج اللبنانيون في سائر لبنان عن سيطرة الحزب فيصلون إلى لبنان حر؟

نقلاً عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط