هل كان الأفغاني ومحمد عبده ماسونيين؟! (1- 2)

هاني نسيرة
هاني نسيرة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

لا تصدقهم ولا تحترمهم، إنهم ماسون. كثيرًا ما صدمتنا هذه الكلمات التى كان يطلقها المتسلفون والمتشددون من جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات السلفية والجهادية المختلفة التى كانت ناشطة فى فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى!، كنا فتية صغارًا يملؤنا الأمل والثقة والطموح، نبحث عن المعرفة والعلم، وهؤلاء ما تركوا رمزًا عرفناه واحترمناه إلا وحاولوا أن يشوهوه حتى تخلو القلوب والعقول تمامًا لرموزهم.. من محمد عبده إلى الأفغانى إلى طه حسين وجورجى زيدان وآل عبدالرازق وغيرهم كثير.. كل كبارنا، حكامنا ودولنا القطرية والوطنية، وكل مفكرينا عملاء وخونة وماسون وصنائع صنعها العدو ليضربنا فى سويداء قلوبنا وعقولنا وإيماننا.. كانت الحرب شرسة وأصواتها قوية ربما كان أقواها وأهمها ما كتبه محمد محمد حسين نقدًا لمدرسة محمد عبده والاتجاه العقلى فى كتابه «الاتجاهات الوطنية للأدب الفكرى»، وربما كان أقبحها ما كتبه اليمنى الراحل مقبل الوادعى، وليس آخرهم غازى التوبة، وغيرهم كثير.

إنها لوثة التخوين، لعناتها وسيوفها، لم تترك أحدًا إلا قتلته.! نعم كثيرًا ما ترددت على أسماعى هذه الاتهامات الفجة، وصدتنى عباراتها على الأوراق، وسمعتها فى خطب الجمع، وبين كراسى الجامعة، وكان يضايقنى أنى لا أجد ردًا مفحمًا عليها، حتى صادفنى طالبًا بمكتبة جامعة القاهرة كتاب «ت. س موريه» عن تاريخ الأدب العربى، الذى ترجمه أستاذنا الدكتور شفيع السيد وآخرون، ووجدت فيه وهو يشير لجهود العلامة الراحل الأب لويس شيخو اليسوعى، حين ألف عام 1909 كتابه «السر المصون فى شريعة الفرمسون»، الذى انتقد فيه الماسونية وأفكارها ومحافلها حينئذ، وكشفها وعراها أمام القارئ والمثقف العربى فى هذا الزمان، وذكر موريه أن الماسونية كانت موضة وسلوكًا اجتماعيًا وفكريًا تتجه له الطبقة الراقية من خريجى البعثات وعارفى اللغات الأجنبية وغير متهمة فى هذا الوقت، من أى أحد وأنه لولا جهود لويس شيخو اليسوعى- عربيًا- لما تركها الكثيرون، ولما شاعت وذاعت حقيقتها وانتشرت عنها هذه التهمة.

والأفغانى المولود عام 1831 ومات عام 1897 قد زار مصر سنة 1871 وغادرها سنة 1879، وفى مصر انضم الأفغانى ومحمد عبده للحركة الماسونية التى رفعت شعار الثورة الفرنسية «حرية، إخاء، مساواة»، وضمت صفوة المجتمع، بغض النظر عن الجنس والدين. ولكنه عندما اكتشف علاقة قيادات المحفل بالاستعمار، قاد التمرد ضد المحفل الغربى، وأحدث انقسامًا فى المحفل الماسونى بمصر حيث أسس محفلًا ماسونيًا شرقيًا ارتبط بعلاقات مع المحفل الفرنسى، نظرًا لمعارضة الفرنسيين نفوذ الإنجليز فى مصر.

الخلاصة أن الرجلين الشجاعين الجريئين، اللذين أعادا الاعتبار للحرية فى مقابل الاستبداد، وللعقل فى مقابل التخلف، وللمواطن أمام الحاكم، وللوطن فى مقابل الاستعمار، وللمسلم والشرقى فى مقابل الغربى، وللعربى فى مقابل التركى، لم تكن لتسعهما المؤسسات التقليدية والمحافظة، ووجدا ضالتهما وساحتهما الحرة مع النخب الراقية والمثقفة والمتعلمة، الطبقة الوسطى الثقافية، أحيانًا فى المحافل هذه كتجمعات لهما، خاصة مع شعاراتها السامية الجميلة التى لا ينكرها أحد!! أو على المقاهى وسط الناس كمقهى متانيا وغيره من المقاهى الشهيرة فى مصر، أو صالونات ثقافية.

ومن هذه التجمعات واللقاءات الحرة، والرؤية واللغة المدنية، والفكرة الإصلاحية، التى تمزج الأضداد وتوفق بينها، كانت هذه الساحات الحرة، هذا فضلًا عن أن الفكرة الماسونية كانت ومازالت غامضة، يهولها البعض كثيرًا ويضخمها وهى ليست كذلك، وقد لاحظت اختلاف مؤرخيها، ولا أبالغ ولا أخطئ إذا قلت إنى أحسم أو أكاد أحسم أن كلا الإمامين الأفغانى ومحمد عبده لم يقرآ أيًا من أدبياتها ولم تكن عندهما أكثر من موضة للتجمع مع المهتمين بالشأن العام والمثقفين والنخب الجديدة، بعيدًا عن سطوة الباشا والجنرال والكهنوت!! ليس إلا، وهو ما تثبته وثائق وأحداث ومواقفهما التاريخية، وإذا كانت- وهو الاحتمال المستبعد عندى- كما يصفها التآمريون من أنصار التفكير التآمرى الهذيانى فهما غادراها مع أول شبهة لذلك، وهى لم تتحقق صورتها السيئة إلا عام 1909، ولم تكن معروفة كما يروجها البعض الآن.

وهذا أيضًا ما انتهى له الأكاديمى السورى سامى المبيض فى كتابه «شرق الجامع الأموى»، الذى تناول فيه الماسونية الدمشقية بين عامى 1868- 1965، وعرض فيه شخصيات سورية مهمة وطنية وكبيرة وعظيمة الأثر وانتمت ولم تنكر لمحافل ماسونية، لكن كما ذكر كموضة زمانها ليس إلا... والسلام.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط