رئاسة المجلس.. بريق المبادئ وتأمين التوافق
تكسب كثيراً حياة الكويت البرلمانية من كل جولة من جولات الانتخابات، يتعلم منها المرشحون والناخبون، أصحاب السلطة وممارسو السياسة، ويأتي مقعد رئاسة البرلمان حاملاً حساسية في السياسة وفي دورها في تأمين استمرار الدورات البرلمانية، ولا سيما في الدورة الحالية التي ستبدأ في 17 أبريل الجاري، منطلقة في بداية فعاليتها بانتخاب رئيس جديد للمجلس بعد أن تم حل المجلس حلاً دستورياً أنهى الرئاسة السابقة التي كان يقودها السياسي المخضرم النائب أحمد السعدون.
وربما من المفيد أن نتوقف عند مسببات الحل الدستوري الذي أنهى الدورة البرلمانية السابقة، حيث جاءت هذه المسببات من تأييد أغلبية برلمانية ساحقة للمداخلة التي جاءت من أحد النواب واعتبرها الرئيس السعدون من التجاوزات التي لا بد من شطبها من محضر الجلسة، ويعترض النواب بشدة على طلب الرئيس شطب تلك المداخلة، مترجمين الاعتراض في التصويت برفض الشطب وضمها إلى محضر الجلسة، لتنتقل إلى فصيلة الخالدين.
ولم يسلم قرار الرئيس السعدون من الانتقاد لسماحه لتصويت النواب حول مصير المداخلة، متجاهلاً حقه في رفض اللجوء إلى التصويت وإبعاد المداخلة عن المحضر.
بينما يرى نواب الأغلبية عكس ذلك، في تحدٍّ لطلب الرئاسة بإبعادها عن المحضر، تمثل في إصرارهم على تدوينها في وثائق المجلس، الأمر الذي أدى إلى نهاية الفصل بحل المجلس.
ستبقى هذه الحادثة موضوعاً مكتظاً بالجدل، ولا سيما حول تنازل الرئاسة عن حقها وقبولها اللجوء إلى التصويت، مع تساؤل عن عدم لجوء الرئيس السعدون إلى ممارسة حقه في رفض التصويت وإغلاق الملف، خاصة أنه صاحب خبرة طويلة، حيث كان رئيساً للمجلس في الثمانينيات من القرن الماضي.
تتمتع رئاسة البرلمان بمكانة برلمانية، خاصة حيث يأتي رئيس المجلس وفق برتوكول الأسبقية بعد سمو الأمير، وبعد ولي العهد تناغماً مع سلم الترتيبات البروتوكولية، مع ما يرافق ذلك من مكانة سياسية ومعنوية ضخمة تحمله إلى أهم مواقع الدولة، وتنفتح له أبواب ليست للآخرين، وتوفر الرئاسة سلطة ضخمة في حياة الكويت السياسية، فالرئيس قادر على التدخل ليؤجل احتمالات بروز اختلافات مع العمل الجاد الهادئ للتوصل إلى حلول توافقية، فهو المرجع الأكبر للنواب في التدخل لإبعاد المواجهات، مع دوره في خلق المناخ الملائم لإبعاد التطرف ومنع الاحتكاكات بين النواب، والأهم تأمين دستورية القرارات التي يتخذها المجلس، مع الحرص التام على تأمين مسار الحياة النيابية دون اعتراضات، فهو حامي الحياة النيابية من الأزمات، والمرجع المؤثر لتأمين سلامة القرارات، وفوق ذلك، أن الدروب السياسية مفتوحة له لتحمله إلى أعلى موضع في قيادة الدولة، يتواجد ويشارك في مداولات الدولة حول سلامتها وأمنها وتأكيد سلاسة الحياة فيها، وليس محصوراً في محتويات الدستور، وإنما في كل ما له علاقة بوجود الدولة، وفوق ذلك، تتواجد برفقة كرسيه في الرئاسة سلطة اجتماعية مؤثرة تعيش في فضاء الرئيس، تمنحه دالة التوسط والبحث عن مخارج لعلاج تعقيدات العمل، سواء مع النواب في ترطيب المواقف وتلطيف المفردات، والحد من العصبيات وغرس ثقافة الأولويات للوطن وحده، وليس للانتماءات الأخرى.. قبلية أو طائفية أو فئوية، وهناك البعد السياسي الذي يحمله الرئيس في زياراته لمختلف الدول، يقود فيها الوفود البرلمانية، ملتزماً تقديم الصورة الحقيقية للكويت في قيمها الأخلاقية والاجتماعية واجتهاداتها السياسية ومحتوى دبلوماسيتها، وأهم من ذلك التعريف بالكويت وفي جميع الجوانب، إنسانياً وتحضراً، ومشاركة في المؤسسات العالمية الاقتصادية وسخاء الكويت التنموي نحو الدول النامية مع تعريف بتاريخ الماضي وبطموح الحاضر، وفوق ذلك، التميُّز بالاعتدال واحترام انسانية جميع الشعوب مع تواجد ايجابي في المؤسسات الانسانية.
ومن المؤكد بأن الرئيس القادم على دراية بأنه يحمل في زيارته الخارجية معاني الكويت بماضيها وحاضرها وتطلعاتها المستقبلية، وأن سلوكه والآخرين من النواب يترجم المسعى الصادق لتقديم لوحة واقعية عن المحتوى السياسي والفكري والثقافي الذي يتمتع به المواطن الكويتي.
منذ أكثر من سنتين كنت في زيارة لمجلس العموم البريطاني، بصفتي المنسق العام لجمعية الصداقة الكويتية–البريطانية، مع السفير الكويتي السابق في لندن السفير العميد خالد الدويسان، كانت زيارتي إلى البرلمان البريطاني بعد زيارة رسمية لوفد مجلس الأمة الكويتي، بدعوة من البرلمان البريطاني، وكان الانطباع البريطاني إيجابياً حول أداء الوفد الكويتي وطروحاته عن الكويت ماضياً وحاضراً، ولا شك عندي بأن البرلمان المنتخب يدرك الأهمية السياسية والتاريخية لتبادل الزيارات البرلمانية وعائدها على الكويت مع تأكيد لمعان منزلتها الإنسانية.
نحن الآن نقترب من معرفة هوية الرئيس القادم لمجلس الأمة الكويتي الذي نأمل أن يكون لائقاً تجربةً وفكراً وثقافةً، وقادراً على التحدث بلغة يفهمها العالم.
حملت الانتخابات الأخيرة في نتائجها عودة معظم نواب المجلس المنحل، مع تصريحات نشرتها الصحافة الكويتية من نواب جدد ومن القدماء بعضها تعدى حدود الفضاء الكويتي السياسي في اعتداله، رافعاً السقف ليقترب من خطوط حساسة لا توفر الاطمئنان وفيها تحدٍّ لحقائق المشاركة بين البرلمان والشرعية التاريخية التي هي عمود التعاون وسر نجاح الحياة الدستورية، ولهذا فإن الضرورات التي تتطلبها المرحلة الراهنة، اختيار رئيس لمجلس الأمة مدركاً لمسار المستقبل المملوء بالتعقيدات التي تتولد من مواقف حادة لا تنسجم مع المبادئ التي يعتمد عليها الدستور في نجاح المشاركة التي بدونها لن تتطور الكويت.
فالكويت لا تعلو بدون الشراكة البرلمانية ولن تتوافر هذه المشاركة إذا جاءت مواقف متحدية الفضاء الدستوري ومتعارضة مع المبادئ التي تشكل العمود الفقري لتطور الكويت وأهمها الوحدة الوطنية والمشاركة الجماعية وترسيخ البناء الدستوري مع شروطه في حماية الشرعية الدستورية وتعميق قواعد المشاركة، فالكويت تعمر مع برلمان يتحمل مسؤولية الاشتراك مع الشرعية الدستورية لبناء دولة الكويت التي تريدها الأجيال القادمة، التي لن تتحقق بالتطرف والشدة وإنما بالحكمة والتفاهم والمشاركة بين الحكمة البرلمانية والعقلانية الدستورية..
وأود التأكيد على حقيقة لا مفر من ذكرها، فمن يجذبه كرسي الرئاسة عليه أن يفي بشروطها، ومنها توفر النضج السياسي في أحكامه، متابعاً للشأن العالمي، يحمل الخبرة في القضايا العربية والإقليمية، عارفاً بتفاصيل جدول الأعمال التي يتعامل معه برلمان الكويت، ومن أبرز نقاطها قضية فلسطين ومأساة غزة، وتطورات هذه القضية ومتابعة مواقف الكويت الرسمية والشعبية.
لا مفر من اقتراب الموقف البرلماني من موقف الكويت الرسمي الذي يأخذ في الاعتبار حقائق الكويت المتواجدة في إقليم مضطرب فيه الاندفاع السياسي والديني وفيه من يحلم بالتوسع تجاه الكويت سياسياً وجغرافياً، وأهم من كل ذلك، يحمل البرلمان الكويتي دروس وآلام واقعة الغزو مثل جميع الكويتيين وفي كل مؤسساتها، وعلى علم بمسبباتها، وعارفاً بضرورة أن يصاحب صدق نوايا الكويت ترتيبات رادعة تحول الأطماع إلى أوهام.
كل ما أتمنى أن تنتبه الرئاسة القادمة إلى أهمية الزيارات البرلمانية من مختلف الدول إلى الكويت بدعوة من برلمانها، للتعرف على محتويات الكويت من تراث قديم ومن برامج توضح طموحاتها التنموية وتشرح توجهاتها الدبلوماسية وتتعرف على ترتيباتها السياسية.
وأخيراً نجدد الأمل بأن ينهي هذا البرلمان الجديد سنوات عمره الأربع وينهض بالكويت وفي جميع المسارات.
* نقلا عن "القبس"