حراك العامة أو السوقة أو الغوغاء
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في فترة من الزمن كنت أظن أن حراك العامة أو الغوغاء سببه عقائدي، أو ديني أو بسبب صراع جهوي، أو فئوي وبعد مدة اكتشفت أن حراك العامة مرتبط بالحالة الاقتصادية والأمنية، فهناك دوافع اقتصادية واضحة في حراكهم وإن غلفت بغلاف ديني يتمثل في شعائر محرم، ومواكب الحزن على قتلى الطف، أو نصرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كل هذه الأمور ذرائع للهدف الحقيقي المتمثل في نهب الأسواق والأحياء والبيوت وفك أسر السجناء كما حدث كثيرا في التاريخ وقد أوردت هنا نماذج كأمثلة من غير استقصاء، واقتصرت هنا على مرجع واحد وهو كتاب البداية والنهاية لابن كثير تلميذ ابن تيمية جاء في تاريخ ابن كثير:
دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَلِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ نَهَضَ عَامَّةُ أَهْلِ سَامَرَّا إِلَى السِّجْنِ، فَأَخْرَجُوا مَنْ فِيهِ، وَجَاءَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْجَيْشِ، يُقَالُ لَهُمُ: الزُّرَافَةُ، فَهَزَمَتْهُمُ الْعَامَّةُ فَرَكِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَصِيفٌ وَبُغَا الصَّغِيرُ وَعَامَّةُ الْأَتْرَاكِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْعَامَّةِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَجَرَتْ فِتَنٌ طَوِيلَةٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ سَكَنَتْ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ
وَفِيهَا كَسَرَتِ الْعَامَّةُ أَبْوَابَ السُّجُونِ فَأَخْرَجُوا مَنْ كَانَ بِهَا، فَأَدْرَكَتِ الشُّرْطَةُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنَ السِّجْنِ فَلَمْ يَفُتْهُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، بَلْ رُدُّوا إِلَى السُّجُونِ.
دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْحَنْبَلِيِّ وَبَيْنَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَامَّةِ، اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] فَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى، فَاقْتَتَلُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى، يُشَفَّعُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَنْ يَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَرْغَبُ إِلَيْهِ فِيهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ الْعَامَّةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْمَعَاشِ، وَانْتَشَرَتْ، وَكَثُرَ أَهْلُ الشَّرِّ فِيهَا وَاسْتَظْهَرُوا، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ شُرُورٌ، ثُمَّ سَكَنَتْ.
دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
وَفِيهَا احْتَرَقَ الْكَرْخُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ ضَرَبَ رَجُلًا مِنَ الْعَامَّةِ فَمَاتَ، فَثَارَ بِهِ الْعَامَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ فَدَخَلَ دَارًا، فَأَخْرَجُوهُ مَسْحُوبًا، وَقَتَلُوهُ وَحَرَقُوهُ، فَرَكِبَ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ الشِّيرَازِيُّ - وَكَانَ شَدِيدَ التَّعَصُّبِ لِلسُّنَّةِ - وَبَعَثَ حَاجِبَهُ إِلَى أَهْلِ الْكَرْخِ، فَأَلْقَى فِي دُورِهِمُ النَّارَ، فَاحْتَرَقَتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الدُّورِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةِ دُكَّانٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ مَسْجِدًا، وَسَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ إِنْسَانٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَلَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَزِيرَهُ هَذَا عَنِ الْوِزَارَةِ، وَوَلَّاهَا مُحَمَّدَ بْنَ بَقِيَّةَ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ وَضِيعًا عِنْدَ النَّاسِ لَا حُرْمَةَ لَهُ، كَانَ أَبُوهُ فَلَّاحًا بِقَرْيَةِ أَوَانَا وَكَانَ هُوَ مِمَّنْ يَخْدِمُ عِزَّ الدَّوْلَةِ، يُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ، وَيَحْمِلُ مِنْدِيلَ الزَّفَرِ عَلَى كَتِفِهِ إِلَى أَنْ وَلِيَ الْوِزَارَةَ، وَمَعَ هَذَا كَانَ أَشَدَّ ظُلْمًا لِلرَّعِيَّةِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَثُرَ فِي زَمَانِهِ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَفَسَدَتِ الْأُمُورُ بِبَغْدَادَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ حَاجِبِهِ سُبُكْتِكِينَ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى دَخَنٍ.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
(( ... وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَتْ زَوْجَةُ بَعْضِ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى، فَخَرَجَتِ النَّوَائِحُ وَالصُّلُبُ مَعَهَا جَهْرَةً، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْهَاشِمِيِّينَ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ غِلْمَانِ ذَلِكَ الرَّئِيسِ النَّصْرَانِيِّ بِدَبُّوسٍ فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَلَجَئُوا إِلَى كَنِيسَةٍ لَهُمْ هُنَاكَ، فَدَخَلَتِ الْعَامَّةُ إِلَيْهَا فَنَهَبُوا مَا فِيهَا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ دُورِ النَّصَارَى، وَتَتَبَّعُوا النَّصَارَى فِي الْبَلَدِ، وَقَصَدُوا دَارَ الْمُنَاصِحِ وَابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَقَاتَلَهُمْ غِلْمَانُهُمْ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ، وَرَفَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمَصَاحِفَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَعُطِّلَتِ الْجُمُعَةُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَاسْتَعَانُوا بِالْخَلِيفَةِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ ابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ فَامْتَنَعَ، فَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَادَ وَقَوِيَتِ الْفِتْنَةُ جِدًّا، وَنُهِبَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّصَارَى، ثُمَّ أُحْضِرَ ابْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَبَذَلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَعُفِيَ عَنْهُ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.))
دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
(( ... وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَ(الرَّوَافِضِ)، وَقَوِيَتْ عَلَيْهِمُ السُّنَّةُ، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْهُمْ، وَنَهَبُوا الْكَرْخَ وَدَارَ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى وَنَهَبَتِ الْعَامَّةُ دُورَ الْيَهُودِ ; لِأَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى مُعَاوَنَةِ أَهْلِ الْكَرْخِ مِنَ (الرَّوَافِضِ)، وَتَعَدَّى النَّهْبُ إِلَى دُورٍ كَثِيرَةٍ وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ جِدًّا، ثُمَّ سَكَنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَثُرَتِ الْعَمَلَاتُ وَانْتَشَرَتِ الْمِحْنَةُ بِأَمْرِ الْعَيَّارِينَ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ، وَتَجَاسَرُوا عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَنَهَبُوا دُورًا وَأَمَاكِنَ سِرًّا وَجَهْرًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. ))
دخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
(( ...َفِيهَا وَقَعَ بِبَغْدَادَ بَيْنَ (الرَّوَافِضِ) وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى نَهْبِ دُورِ الْيَهُودِ، وَإِحْرَاقِ الْكَنِيسَةِ الْعَتِيقَةِ الَّتِي لَهُمْ، وَاتَّفَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَوْتُ رَجُلٍ مِنْ أَكَابِرِ النَّصَارَى بِوَاسِطٍ، فَجَلَسَ أَهْلُهُ لِعَزَائِهِ عَلَى بَابِ مَسْجِدٍ هُنَاكَ، وَأَخْرَجُوا جِنَازَتَهُ جَهْرَةً، وَمَعَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ يَحْرُسُونَهَا، فَحَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الْعَامَّةُ، فَأَخَذُوا الْمَيِّتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ أَكْفَانِهِ فَأَحْرَقُوهُ، وَرَمَوْهُ فِي دِجْلَةَ، وَمَضَوْا إِلَى الدَّيْرِ فَنَهَبُوهُ، وَعَجَزَ الْأَتْرَاكُ عَنْ دَفْعِهِمْ. وَلَمْ يَحُجَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذَا الْعَامِ...))
ما ذكرته هنا أمثلة قليلة وما تركته كثير جدا يستحق الرصد والتتبع والدراسة.