الأردن ومجلس التعاون.. ملفات التلاقي

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

أضافت زيارة سمو الأمير الشيخ مشعل أحمد الجابر الصباح إلى الأردن شحنة مؤثرة في سلم التلاقي بين الأردن ومجلس التعاون، ومن المؤكد أن خريطة العلاقات بين الطرفين ستدخل فصلاً مختلفاً، لاسيما في المسار الكويتي - الأردني، الذي بدأت خطواته عام 1961، عندما وصل وفد كويتي إلى العاصمة الأردنية يشرح موقف الكويت من ادعاءات رئيس وزراء العراق آنذاك عبدالكريم قاسم، حاملاً الأمل بدعم أردني لحقائق الكويت التاريخية، كان الوفد برئاسة المرحوم الشيخ جابر الأحمد، ويضم كبار رجال الدولة الكويتية الفتية.
ألفت كتاباً تحت عنوان «حروب الكويت الدبلوماسية» عن تلك الأحداث، التي مرت بها الكويت بعد ادعاءات العراق، والعقبات التي رافقت انضمامها للجامعة العربية في يوليو 1961، شارحاً الشروط التي وضعتها الجامعة العربية، وما تعرّض له طلب الكويت الانضمام إلى الأمم المتحدة من معارضة من الاتحاد السوفيتي، أبقت الكويت سنتين انتظاراً ليوم القبول.

دونت موقف كل بلد عربي من طلب الكويت الانضمام لعضوية الجامعة العربية، فكان الدور السعودي متبنياً ومدافعاً ومبادراً، وصاغ مفردات قرار لقبول الكويت الانضمام إلى الجامعة العربية، بعد إلحاح الملك سعود، كما نقلت بكل وضوح الاتجاهات المتباينة والمساومات التي تعرض لها طلب الكويت، وأستطيع القول إن تلك المواقف العربية المتباينة أصبحت القاعدة لتقييم علاقات الكويت مع كل دولة عربية وفق أدائها وتعاملها مع الأزمة، التي افتعلها النظام العراقي، وظلت هذه القاعدة في الذاكرة، لكنها لم تختف إلى أن حدثت مأساة الغزو عام 1990، وتبدلت حسابات الكويت ومقاييسها تجاه الدول العربية، وصارت قاعدتها موقف كل دولة من الغزو.

في عام 2006 أصبح المرحوم الشيخ صباح الأحمد أميراً لدولة الكويت، وكان من القياديين المطالبين باعتيادية العلاقات الكويتية مع جميع الدول العربية، من دون استثناء، وكان قبل أن يصبح أميراً قد زار كلاً من ليبيا القذافي، واليمن في عهد عبدالله صالح لمناسبات وطنية للبلدين، كما زار المرحوم الملك حسين في واشنطن، عندما كان يتعالج هناك.

حدثني المرحوم الشيخ صباح عن الحميمية، التي أظهرها الملك حسين وتثمينه لزيارته، وهو مريض في واشنطن، فكان الشيخ صباح سعيداً ومرتاحاً بشعور الذي أدى واجباً نحو إنسان له مكانة خاصة.

ومع تولي الملك عبدالله بن الحسين السلطة في الأردن، حاملاً خطاً دبلوماسياً متميزاً بإصرار على الانطلاق نحو دول الخليج، لتحقيق علاقات ثنائية متميزة، وفي جميع المجالات، مع تأكيد التلاقي الودي والأخوي مع جميع الدول العربية، متعالياً ورافضاً توفير استثنائية لأية دولة عربية، وتعامل مع الجميع وفق ميزان واحد.

أخرجت دبلوماسية الملك عبدالله بن الحسين الأردن من مرحلة التحالفات الثنائية، والانخراطات في الحملات الإعلامية، التي تولدت في الخمسينيات من القرن الماضي، بتوظيف الإعلام للخصومات السياسية، وكانت أقواها المدرسة المصرية وناظرها أحمد سعيد، وتعرّض فيها الأردن لمواجهات لا تلائم واقعه السياسي ولا موقعه الجغرافي، تحمّل منها الأردن الكثير من الأضرار.

وقد طويت هذه الصفحات وتحولت من التحالفات الضيقة إلى التعانق مع الجميع، لاسيما في التلاقي الثنائي الصافي بين الأردن ودول مجلس التعاون، يتجسد في شمولية المنافع المتبادلة، وأهمها تلازم الشأن الأردني بالملف الخليجي في كل ما يفيد الطرفين، والحقيقة أن التلاقي الاستراتيجي، بين الأردن ودول المجلس، يضخ للجانبين مصداقية ليس في الإقليم فقط، وإنما عالمياً، وفي جميع العواصم، لاسيما المؤثرة في أحداث الكون.

كنت أزور عمّان عاصمة الأردن، التي تتواجد فيها نخب أردنية فكرية وسياسية وأكاديمية تحمل قناعة عميقة بأن الخليج ذراع الأردن، ليس اقتصادياً أو سياسياً فقط، بل شريكاً حيوياً صادقاً في أهدافه، وفاعلاً في مسؤولياته، ونزيهاً في نواياه، وأن الأردن متفاعل مع مسيرة مجلس التعاون، ومؤمن بأهدافه، وحليف لاجتهاداته في تعميق الاستقرار وتثبيت قواعد الأمن في كل مناطق الخليج.

ومن أبرز آليات الأردن الإيجابية والفكرية هي القاعدة الواسعة من المثقفين والمفكرين الأردنيين، الذين يتواجدون في الجامعات وفي مختلف المنتديات، التي تتميز بها العاصمة الأردنية، وأفرزت متانة الصالون السياسي الأردني المتنوع في اجتهاداته الفكرية، مع الإصرار على إبراز عروبة الأردن وسعيه لتفاهم عربي جامع.

كنت أتردد على الأردن استجابة لمسؤوليات وحضور منتديات، ينظمها منتدى الفكر العربي، الذي يستوحي نشاطاته من إشراف سمو الأمير الحسن بن طلال، العاشق الدائم للثقافة والمحاضر المعبأ بمحتوى فكري لا يجف، وأشعر من هذه الزيارات بأن الأردن وشعبه على موعد قد يتم قريباً للقاء عربي جامع، يحتضن الأردن ويترجم طموحاته المتميزة بالنبض العروبي، ويؤكد أن الأردن طرف صحي ومساهم غزير للوطن العربي، والواضح من الأحاديث مع مختلف التوجهات في المجتمع الأردني، أن هذا الشعور بالحضن العربي الجماعي هو منبع مهم للشخصية الأردنية، التي تجاور إسرائيل بغلاظتها، وتستضيف اللاجئين الفلسطينيين، متابعة لأحلامهم ومسؤولة عن أمنهم، فهذه الظاهرة الأردنية ليست من باب الأحلام، وإنما هي وصفة سيكولوجية تضعف مخاوف العزلة، التي شهدها تاريخ الأردن منذ انفجار القضية الفلسطينية وتحمل أثقالها الاردن، كما رافقت حياته المعاناة من حصيلة بروز دولة إسرائيل بجوار الأردن، مع استمرار الغارات الإسرائيلية نحو التوسع دون توقف.

أعود إلى أهمية زيارة سمو الأمير إلى الأردن، فهي إسهام كبير في الترابط الأردني ـ الخليجي، وفوق ذلك هي دليل قوي وثابت على انتمائية الأردن إلى الحضن الخليجي، ليس جغرافياً، وإنما امتداد سياسي واقتصادي وتلاحم إنساني، وفوق ذلك، فإن العلاقات الأردنية ـ الكويتية تنطلق من أساسيات متجددة، صاغ هندستها المرحوم الشيخ صباح الأحمد، وأضاف إلى بنيانها سمو الشيخ مشعل الأحمد وجلالة الملك عبدالله بن الحسين، وستزداد في مجالات الاستثمار، ومن الاستفادة من الخبرات الإنسانية الأردنية، ويشجع الأردن تطويقه بالكثير من آليات الاستقرار، وتكثيف التواجد الخليجي في مسارات الأردن، والتخفيف من نزعات القلق التي تفرزها جغرافية الأردن، وتجاورها مع إسرائيل والضفة الغربية، ومسؤوليات الدفع السياسي والدبلوماسي نحو دولة فلسطينية، كما جاء في الإجماع العالمي لهذا التوجه.

عاش الأردن فترة طويلة متحمّلاً أثقال الآخرين، وعانى كثيراً من تطاولهم ومن ظلمهم، لكنه قاوم محاولات التصغير لمواقفه، وأظهر قدرة على إفشال مخططات الإطاحة بنظامه، ولم تضعفه حملات الإعلام العربية المعارضة، وجاء مؤتمر القاهرة عام 1970 ليثبت أن المصلحة العربية العليا تتمثل في الحفاظ على الهوية الاردنية بنظامها وترتيباتها الإقليمية والدولية.

خرج البيان الكويتي ـ الأردني المشترك ليؤكد ضرورة الاستعدادات لتأمين نجاح الدورة الخامسة للجنة العليا المشتركة، التي ستكون اجتماعاتها في الكويت خلال هذا العام، ومن المهم أن يوفر هذا اللقاء المستقبلي آلية مشتركة لمتابعة القرارات وتنفيذها، مع الأمل بأن ينال الأردن اهتماماً بارزاً في مسار مجلس التعاون.

في عام 1984، وبمبادرة من الأمانة العامة لمجلس التعاون، عقد منتدى الفكر العربي برئاسة الأمير الحسن بن طلال، وكان ولياً للعهد آنذاك، اجتماعاً في مبنى مجلس التعاون، وبمشاركة كبار المسؤولين في المملكة، تم فيه إعداد وتقديم دراسات عن معاني التعاون العربي الاقتصادي، ودوره في تعميق الترابط بين الدول العربية، وكان اجتماعاً تاريخياً في مسار المنتدى، قدمتُ فيه ورقة عمل عن معاني الوحدة العربية، بمنظور مواطن خليجي، واستقرت الورقة نهائياً في أرشيف المنتدى.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط