الطباعة محرك النهضة الأوروبية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في برامج معالجة النصوص الإلكترونية نرى دائما خيارات متعددة لتحسين مظهر الكتابة منها خيار جميل يضيف للخط ميلاناً يزيد من رونق مظهره في عيون القارئ، ويسمى هذا الخيار (إيتاليك) والذي يعني باللغة العربية (الإيطالي). وغالبا لا نرعي لأصل هذه الكلمة انتباها، ومن أين أتت؟ وما علاقتها بالإيطاليين ولغتهم وأساليب كتابتهم؟
كانت فكرة الطباعة قد بدأت على يد صائغ ألماني يدعى جوتنبرج في عام 1450م، وقد بنى فكرته مع خطاط ماهر على صف أحرف معدنية بارزة في صفحة واحدة، ثم يتم طلاء سطح هذه الأحرف بحبر ذي أساس زيتي، بعد ذلك يضغط بهذه الحروف المصفوفة على ورقة أو عدة ورقات، فتطبع مصفوفة هذه الحروف المكونة للكلمات والجمل على ورقة بيضاء. ثم يتم فك هذه الحروف المعدنية، وإعادة صفها من جديد لطباعة صفحة أو صفحات أخرى من الكتاب المراد طابعته، وهكذا تستمر العملية دواليك.
الكتب المطبوعة بعد هذا الاختراع الخارق، وبشكل سريع حلت محل المخطوطات اليدوية التي لا تكاد تخلو من أخطاء النساخ اليدويين، والبطيئين أيضاً في نسخ الكتب المطلوبة التي تلبي نهم القراء المتزايدين الذين ازدادت أعدادهم مع بزوغ عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر. مثلها مثل أي تقنية أخرى خلقت ثورة الطباعة اقتصاديات جديدة تشكلت في صناعة الورق، والحروف المعدنية، ومكائن الطباعة، ووسائل التمويل، وارتفعت الأسعار بشكل كبير نتيجة الطلب الهائل على الكتب المطبوعة، وخرجت مهنة النسخ من الجامعات والأديرة - لأول مرة - للمطابع التجارية. ساعد الانتشار الهائل لأساليب الطباعة الفعالة في ازدياد النهم الأوروبي لطباعة مخطوطات ما ترجموه في القرون الثلاثة: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر من الكتب العربية سواء المؤلفات الإسلامية الأصلية في العلوم، والفلك، والرياضيات، والطب، والجغرافيا والفلسفة، وعلوم الاجتماع، أو ما ورثه المسلمون، وترجموه، وشرحوه، وعلقوا عليه من كتب اليونان، فطب جالينوس، ورياضيات أقليدس، ومنطق أرسطو على سبيل المثال وصلت للأوربيين مترجمة من العربية وليس من المؤلفات اليونانية الأصلية. وجد الأوروبيون خلال هذه القرون الثلاثة في المكتبات العربية كنوزاً علمية عظيمة، فالرهبان النهمون -على وجه الخصوص- انكبوا في الأندلس، وصقلية، وسواحل البحر الأبيض المتوسط، ومناطق الحملات الصليبية على ترجمة كتب العلوم العربية إذ كانت هذه العلوم مطلب أصيل لدراسي اللاهوت في أوروبا حينئذ. لم يوجد في هذه الفترة أي موروث علمي يذكر ويمكن ترجمته من أي حضارة أخرى في أي من قارات العالم القديم والجديد، باستثناء الحضارة الإسلامية وبقايا المخطوطات اليونانية والرومانية الأصلية والتي هي الأخرى مع حصول الأوربيين على نسخها الأصلية إلا أن معظمها قد ترجمه المسلمون.
ثورة الطباعة في وقتها تشبه ثورة الإنترنت في عصرنا، فقد سهلت اقتناء الكتب لذوي الدخل المحدود، وعززت من طرق ووسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع الأوربي مستفيدة من الكم الهائل من النشرات والدوريات والكتيبات التي تدفع بها المطابع الآخذة في التوسع والانتشار آنذاك، فأصبحت هي الوسيلة الأكثر نجاعة لنشر الأفكار السياسة، والفلسفية، والعلمية بشكل سريع ودون أخطاء على أوسع نطاق ممكن مع ميز أخرى كطباعة الرسوم والخرائط بشكل جذاب ودقيق وجميل مما كان يضمنه المؤلفون مؤلفاتهم. الكليشيهات الخشبية والنحاسية المستخدمة في الطباعة أتاحت نشر الصور على نطاق واسع خصوصا بين الأميين ممن لا يحسنون القراءة للأغراض الدينية والتبشيرية. التقديرات تشير إلى أن ما أنتجته المطابع بحلول 1480م حوالي خمسة عشر مليون كتاب في أربعين ألف طبعة مختلفة وهو أكثر من عدد الكتب التي نسخت منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي. بالإضافة إلى أن الطباعة كانت عملاً مربحاً إلا أنها عززت من الانتماءات القومية خصوصا عندما بدأت المطابع في طباعة الكتب باللغات المحلية كالإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية بدلاً من الاقتصار على اللغتين اليونانية واللاتينية لغتي النخبة، فأصحبت هذه اللغات العامية هي الوسيلة الأسهل للتواصل الثقافي، والأدبي، والعلمي، والديني بين المجموعات القومية والعرقية والدينية ذات الأصل الواحد.
كانت الكتابة المطبوعة في شمال أوروبا تحاكي الكتابة باليد أو ما يسمى الكتابة القوطية، ولكن سرعان ما انتشرت الطباعة في إيطاليا حيث بداية النهضة الأوروبية حتى أصبحت إيطاليا وفينيسا بالتحديد مركزا للطباعة. رواد الحركة الإنسانية في إيطاليا طوروا طرقا للكتابة على أساس أنها تحاكي الحروف الرومانية القديمة، لكن رواد الطباعة الإيطاليون تجاوزوا أساليب كتابة الإنسانيين المعقدة، فأوجدوا خطوطاً جديدة لم تحل مكان الخطوط الرومانية القديمة فقط، بل كانت هي الأساس لأساليب الكتابة الحديثة اليوم ومنها الخط المعروف ب (إيتاليك).