الصهاينة العرب.. فتوى بالقتل
الصهاينة العرب، هذه المفردة التي أصبحنا نستمع إليها بشكل يومي عبر فضائيات ومنصات إعلامية كثيرة ومتنوعة، هو ليس توصيفاً سياسياً، أو تعبيراً عن سجالات عبر المنابر الإعلامية كما يعتقد البعض، إنما هو "فتوى بالقتل" بالتوصيف الفعلي للكلمة بحق من يعارض فكر جماعات الإسلام السياسي. وهنا تبدو النخب الثقافية والإعلامية هي التي في واجهة الاتهام، ما يذكرنا باغتيال المفكر المصري فرج فودة عام 1992 الذي كان له السبق في الحديث عن المد الأصولي، ونقد الإسلام السياسي المعاصر، والخطاب الإيديولوجي. وما نعنيه أننا أمام أخطر مصطلح تكفيري جاء به الإخوان المسلمون خلال العقود الأربعة الماضية، حيث يصبح المطلوب من النخب الإعلامية والثقافية العربية أن تقبل بنتائج مغامرات جماعات الإسلام السياسي أو أن تلتزم الصمت نحوها وما دون ذلك، فهم صهاينة عرب.
الصهاينة العرب مفردة ظهرت بعد معاهدة كامب ديفيد مباشرة، غير أن تأثيرها لم يكن مهماً كما هو اليوم، إذ إن الإعلام الرسمي هو الذي كان متاحاً للجميع، قبل العصر الرقمي الذي أنتج الفجوة الرقمية الكبيرة التي سمحت بانتشار الإعلام الشعبوي. فمن خلال هذه المنصات الشعبوية بات كل من يعارض مشاريع جماعات الإسلام السياسي هدفاً، أمام فشل الفكرة الإسلاموية، وخصوصاً أمام الكارثة الإنسانية في غزة، والتي باتت فاصلاً زمنياً مهماً، ونتائجها تتطلب مساءلة جماعات الإسلام السياسي التي روجت للفكرة التي أدت إلى هذه النتيجة المأساوية.
فالمشروع " الإخواني" في تحويل الّدين الإسلامي إلى ثورات وانقلابات وخروج على الدولة والحاكم واللعب بمصطلح الجهاد وفكرة الحاكمية البديلة وغيرها، يصبح اليوم متعثراً، ولم تعد وسائل الإعلام الحديثة التي يمتلكها قادرة على إنقاذه وإعادة منحه المساحة الكافية في الشارع العربي الذي بات قادراً على التمييز بين إعلام المعلومة، وبين الإعلام الشعبوي، الذي يفشل دورياً في مزاحمة إعلام المعلومة.
لذلك من الخطأ الشائع توصيف الإعلام الشعبوي أنه إعلام يرتكز على العاطفة، وبالتالي يتم التعامل معه على أنه عبارة عن كمية كبيرة من المعلومات غير المنضبطة وغير الدقيقة تمتزج بالعاطفة في عملية مزيج من الحماسة والانفعالات وغير ذلك. لأن الإعلام الشعبوي يرتكز أصلاً على قاعدة جوهرية مختلفة تماماً وهي (نظرية المؤامرة) وهذه النظرية تقوم على إرساء مفهوم الشك وإثارته، وهنا تنطلق نظرية التخوين، التي تفترض وجود عملاء من الداخل يساهمون في انهيار جدران القلعة أمام القادم من الخارج، وهي النظرية التي سادت كثيراً في القرون الوسطى، وكانت وسيلة يتم استخدامها في تصفية الخصوم، ولا تزال هذه النظرية موجودة حتى اللحظة بين جماعات الإسلام السياسي المتناحرة في مواطن جغرافية عديدة، غير أنها في أماكن معينة كانت تستخدم "مصطلح التكفير" لتبرير القتل، كما فعلت القاعدة ومن بعدها داعش وأخواتها، وبما أن كلمة التكفير باتت مرتبطة اليوم بمنظمات مثل القاعدة وداعش، جاءت فكرة إحياء مفردة الصهاينة العرب لدى جماعات الإسلام السياسي، ويأتي دور الإعلام الشعبوي ليخفي من خلالها المضمون لكلمة (التكفير) والذي يتم التعبير عنه بــ الصهاينة العرب، وفي النهاية يبقى المضمون واحدا، فلا فرق من حيث منهجية الفكرة التي تستند عليها جماعات الإسلام السياسي بين الكفر وبين الخيانة، فكلاهما نتيجة تستوجب عقوبة واحدة هي الموت.
بالتالي هل كان مصطلح الصهاينة العرب هو فتوى تهدف إلى إقصاء كامل المعادلة السياسية في المنطقة، وإحلال الفكر الاخواني بمنطق الترهيب الفكري. ما يمكن الإشارة إليه، من التشكيك بوسائل الإعلام التي تتبنى إعلام المعلومة، مثل قنوات تتميز بالمهنية، لذلك تعمل عموم جماعات الإسلام السياسي على منع أتباعها من الاستماع إلى الأصوات القادمة من خارج مفردات الجماعة، وهو ما يشبه عملية خوف الراعي من فرار القطيع وهروبه. وهنا نلاحظ المشترك الغريب والفريد، بين زمن الاتحاد السوفييتي، وامتداد الحظر الإعلامي الموجود في كوريا الشمالية، وبين زمن الإسلامويين، الذين يحصرون قطيعهم في بوتقة مغلقة من كل صوب.
في الجانب الآخر، هناك عملية إرساء مكانة خاصة مقدسة لجماعات الإسلام السياسي، والذين يتم تصويرهم للقطيع أنهم كانوا أمناء على الدين، وبالتالي هم وحدهم الأمناء على السياسة، ولكنهم عند الانتكاسات لا يصبح الخطأ خطؤهم بمقدار ما يبررون مصائبهم بنظريات المؤامرة الجاهزة عند كل كارثة، دون أن يشاهدوا أن الجلوس في دائرة الانتماء الحزبي الضيق وفكرة الإقصاء، هي التي أوصلت مشهد جماعات الإسلام السياسي من هزيمة إلى هزيمة، فالأيديولوجيا لم تحم الاتحاد السوفييتي من السقوط، غير أنها أنهكت البلاد، ووضعت أزمة الهوية لدى العديد من القوميات أمام جدلية معقدة.
الإشكالية أن الإسلام السياسي بما يعرضه اليوم ليس وصفة يمكنك القبول بها أو رفضها، ولم يعد أيضاً نقطة قابلة للحوار، أمام الفكرة التي يتم زرعها في عقول الأتباع، من أن نقد الإسلام السياسي إنما هو تعطيل لمنهج الجهاد، ما يوجب الدفاع عن الجهاد من وجهة نظرهم بالقوة، وهذا ما استلهموه من مدرسة الخوارج الأولى، التي قتلت خيرة الصحابة، وتستكمل مسيرتها اليوم على قاعدة واحدة، أن الإسلام السياسي عقيدة وسياسة ومنهج، وبالتالي ما يصدر عن مخيلتهم من عناوين سياسية وغيرها، هم يرونها بمثابة عقائد يتوجب على كامل المجتمع الامتثال إليها ومن لا يفعل ذلك فهو من الصهاينة العرب، والذين هم اليوم جمهرة من خيرة الكتاب والصحفيين والإعلاميين العرب، حيث تنشر أسماؤهم وصورهم عبر مواقع التواصل، ما يذكرنا بالراحل فرج فودة، فهل هي رسائل من جديد.