حتمية السقوط

أحمد الصراف
أحمد الصراف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

هناك اعتقاد، أو ما يشبه الوهم، بأن الغرب، بكامل حضارته، آيل للسقوط، وهذا يتم تداوله منذ عقود عدة، وغالبية من يروجون لهذه المقولة من الشعوب المقهورة، أو المنخدعة دينيا، الذي عادة ما يكون لهم تفسيرهم الخاص في ما يتعلق بالأخلاق، وترجمتها على أرض الواقع، وطالما أن الغرب في انهيار فهناك بالتالي حاجة أو ضرورة لصعود جهة أخرى للحلول محل هذا الغرب المنهار والمفلس أخلاقيا، وهذا البديل غير متوافر حاليا، ولم يكن متوافراً منذ ما قبل مئتي عام، أو منذ الحرب العالمية الأولى، على الأقل. فلا جهة كانت أو ستكون لديها في القريب إمكانية الحلول محل الغرب، لا طبيا ولا عسكريا ولا علميا ولا في لأي مجال آخر. وجميع من يجاهرون بعدائهم للغرب غير قادرين، أو حتى راغبين في الإضرار بها، فما حدث من تقدم فيها كان أساساً بفضل تعاملها مع الغرب، التي لو توقفت عن شراء منتجاتها لضربها الكساد.

يقول الزميل حميد زناز في مقال بعنوان «أفول الحضارة الغربية.. حقيقة أم مجرد تمنيات؟»، بأن الكثير من المثقفين الأوروبيين والأمريكيين والإسلاميين يرون أن انهيار الغرب وسقوطه حتمية تاريخية باتت وشيكة، وكان المفكر الألماني أوسفالد شبينغلر (1880 – 1936) أول من نادى بذلك في كتابه «انحدار الغرب» الذي صدر قبل مئة عام، وصدر في العربية بعناوين مشوهة، كالعادة، وكان مؤلفه من المنبهرين بفاشية موسوليني. ولئن رفض الانضمام إلى النازيين الألمان، لكنه ساهم في صعود الهتلرية عن طريق انتقاده القاسي والمتواصل للديموقراطية البرلمانية. وكيف أصبح الكتاب، مع مرور السنوات، احدى مرجعيات كل الذين يؤمنون باحتضار الغرب ونهايته.

كما سبق للشاعر والمفكر الفرنسي بول فاليري أن وضع كتابه «أزمة العقل»، الذي تحدث فيه عن احتضار الحضارة الأوروبية وتنبأ بأفولها القريب وكان ذلك سنة 1919، ولا يزال الغرب في أوج قوته، تقنيا وثقافيا وعلميا وحربيا، وحتى في الفضاء الخارجي، وفي كل مجال يمكن تصوره.

يضيف زناز قائلاً إن كل البلدان، في سعيها للتطور، تقوم بتقليد هذا «الغرب، الذي ينتظر البعض سقوطه»، ولا يتردد في سرقة أو تقليد إبداعاته في المجالات الثلاثة التقني والقانوني والإداري وغيرها، فكيف يكون من نسعى لتقليده كياناً آيلاً للسقوط؟

* * *

الغرب هو اليوم كيان جغرافي، اقتصادي وعسكري يجمع كلاً من أوروبا الغربية والوسطى، أستراليا، وجزءا كبيراً من الأمريكتين، نيوزيلندا، إسرائيل واليابان. وسبق أن قيل كلام كثير عن خطر الأخيرة والنمور الآسيوية على الاقتصاد الغربي، لكن لم يحدث شيء، واليوم يتكلمون عن خطر الصين وغيرها، غير مدركين أن اقتصاد هذه الدول التحق وانغمس باقتصاد الغرب. كما أن اقتصادات هذه الدول تميل للنظام السياسي الشمولي، لإنجاز المشاريع الكبرى المتعلقة بالبنيات التحتية والصناعية بدل الابتكارات. ومن الطبيعي أن يستعيد بلد يضم %22 من سكان العالم مكاناً له ضمن الاقتصاد العالمي. وهذا لا يمكن أن يسبّب أيّ ضرر للاقتصاد الغربي بل العكس إذ هو يفتح أمامه أسواقاً متنوعة كبيرة.

أما الهند، فهي بلد مكبل إثنياً، دينياً، اجتماعياً وبيروقراطيا، لا يزال يعاني من مشاكل جمة على كل الأصعدة، وستكون الهند زبونا مهما وقوة اقتصادية ولكنها لا يمكن أن تضاهي الصين..

من أهم السمات التي تجعل الغرب مستمرا في قوته، وتقدمه، وعاملا جاذبا تمتعه، منذ قرون، بمستوى معيشة وحرية هو الأحسن في العالم، ولا تزال نفوس وقلوب الغالبية تهفو للهجرة إلى الغرب الذي لا يزال في أوج قوته بسبب تجذّر الحريات الفردية والدينية والسياسية الذي ينتج ذلك الغليان الفكري الذي لا يهدأ والذي يجد فيه الغرب نقدا ذاتيا مستمرا يشكل أرضية صلبة لقوته. وما يشير لقوة الغرب هذا الميل لتعلم لغاته مقارنة باللغات الأخرى، وبالتالي فإن الغرب ليس جغرافيا فقط وإنما حضارة، وهي السائدة حاليا، وستبقى كذلك لعقود طويلة قادمة، فالعلم المتوافر في أمريكا يماثل ذلك المتوافر في السويد والدنمارك، وفرنسا وألمانيا، فكيف سينتهي الغرب بتلك السهولة التي يتصورونها؟.

* نقلا عن " القبس "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط