دول التعاون الخليجي والصين

محمد العسومي
محمد العسومي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

منذ عام 2004، أي على مدى عشرين عاماً، سعت كل من دول مجلس التعاون الخليجي والصين إلى تطوير علاقاتهما الاقتصادية والتجارية والاستثمارية للوصول بها إلى مستوى متقدم من خلال توقيع اتفاقية للتجارة الحرة، مما يعود بالنفع على الطرفين ويجد له انعكاسات على الصُّعد الاقتصادية الدولية ككل، وذلك بفضل الثقل الاقتصادي لدول المجلس والصين. ففي الوقت الذي يعتبر فيه الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد عالمي بناتج محلي إجمالي يبلغ 17.7 تريليون دولار، فإن الاقتصاد الخليجي يحتل المرتبة التاسعة، كأكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي إجمالي يبلغ 2.4 تريليون دولار.
ورغم طول الفترة الزمنية التي استغرقتها المفاوضات بين الجانبين، حيث عقدت 10 جولات من التفاوض، بالإضافة إلى اجتماعات اللجان الفنية والوزارية، فإن اجتماع القمة بين الجانبين الذي عُقد في شهر سبتمبر 2022 وضع أسساً جديدةً وشكّل دَفعةً قويةً للإسراع في إنجاز اتفاقية للتجارة الحرة بين دول التعاون والصين، حيث تشير التقارير الواردة إلى أن الأمور ستصل إلى غايتها قريباً، إذ عُقد مؤخراً منتدى التعاون الصيني الخليجي للصناعات والاستثمار، والذي ساهم في حلحلة بعض النقاط العالقة والتي يمكنه تجاوزها في الفترة القادمة.
ومع أن دول مجلس التعاون وقّعت اتفاقياتٍ للتجارة الحرة مع العديد من الدول والتكتلات الاقتصادية، فإن الاتفاقية مع الصين مختلفة وستترتب عليها نتائج تجارية واستثمارية كبيرة للعديد من الأسباب، فالصين تعتبر الشريك التجاري الأول لدول المجلس، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين، العام الماضي، 286.9 مليار دولار، وذلك وفق بيانات الجمارك الصينية. كما أن الصين تعتبر أحد أهم مستوردي النفط والمنتجات النفطية والبتروكيماية الخليجية، في حين تمد الصينُ الأسواقَ الخليجيةَ بالكثير من المنتجات الحيوية ذات التقنيات المتطورة، وقد نجحت في تسويق العديد من منتجاتها في أسواق دول المجلس، كالسيارات والإلكترونيات والمواد الغذائية.
لذا، فإن اتفاقية التجارة الحرة المزمعة لا تشبه غيرَها من الاتفاقيات المماثلة التي سبق وأن وقّعتها دولُ التعاون، إذ تحمل آفاقاً مستقبليةً مهمةً وواعدةً للطرفين، فالاقتصاد الصيني سريع النمو يزداد اعتماداً على النفط الخليجي، حيث تنمو صادرات النفط والغاز سنوياً، كما أن التطور النوعي للمنتجات والتقنيات الحديثة الصينية يحظى بمزيد من القبول في الأسواق الخليجية، حيث تحتل إحدى الشركات الصينية مركزاً متقدماً في دول الخليج العربي بفضل أسعارها وخدماتها المتقدمة.
وبالإضافة إلى التجارة، يحتل قطاع الاستثمار فرصاً واعدةً، فالاستثمارات المشتركة نمت بين الجانبين في العقد الماضي ونفذت العديدَ من المشاريع المشتركة، سواء في دول المجلس أو في الصين، فقد استثمرت دولُ المجلس بقوة في قطاع الأسمدة والتكرير والصناعات الكيماوية الصيني، كما شهدت الاستثمارات الصينية في دول الخليج توسعاً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية، بما فيها إنتاج السيارات والمعدات المصنّعة، بالإضافة إلى الاستثمارات العقارية والأنشطة السياحية والنقل والبُنى التحتية.
ونتيجة لهذه الأهمية الكبيرة للجانبين، فإن تجاوزَ بعض التفاصيل الصغيرة للإسراع في توقيع اتفاقية التجارة الحرة أصبح موضوعاً ملحاً للاستفادة من النتائج التي ستترتب على إبرام هذه الاتفاقية، بما فيها تطوير التبادل التجاري وتسريع معدلات النمو واستقطاب المزيد من الاستثمارات، فالمنتجات الخليجية ستجد قنواتٍ تصديريةً غير مسبوقة نحو الصين التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة، وهو ما سيتيح زيادة الصادرات الخليجية وتضاعفها مستقبلاً بفضل إلغاء الرسوم الجمركية عليها. وفي المقابل، ستجد المنتجاتُ الصينيةُ فرصاً نادرةً في الأسواق الخليجية المتنامية، وستزدادُ قدراتُها التنافسيةُ، مقارنةً بمنتجات الدول الأخرى، مما سيضاعف التبادلَ التجاري بين الجانبين ويساهم في تنفيذ العديد من المشاريع التنموية التي سترفع من الناتج المحلي، وتوفر الكثيرَ من فرص العمل والنمو.
ومن المهم أن تضع دول المجلس الأسس اللازمة لتعظيم الاستفادة من هذه الاتفاقية، وذلك من خلال تسهيل تشريعات الاستثمار، وتوفير البنى الأساسية اللازمة للمشاريع القادمة على مستوى كل دولة وعلى مستوى دول مجلس التعاون مجتمعةً.

نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.