الحياة التي كانت على وشك النفاد

ماهر فرغلي
ماهر فرغلي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

الحياة على وشك النفاد.. الإخوان يسيطرون على كل شىء.. يؤخونون المؤسسات.. صور مرشحيهم وشعاراتهم تملأ كل شبر، وأتباعهم على اختلاف مشاربهم يتحدثون عن اللحظة الفارقة، والكابوس أصاب الجميع... شهوة الحكم المسمومة التى جعلت الجماعة الطاعنة فى السن تمضى لا تلوى على شىء... لا يهمها تلك الأيام العصيبة التى تمر بالمصريين... لا بنزين... لا أنابيب للغاز... لا سلع ضرورية.

انقلب المنشقون ورأوا أن هناك فرصةً للحصول على الأرباح فارتموا فى حضن الجماعة... عادوا لمساجدهم القديمة، وأغلب من تسربوا من التنظيم رجعوا، ومن تركوه ندموا، ومن كانوا فى عزلة ظهروا، والقيادات الذين كانت تشغلهم مشاريعهم الخاصة فكروا ودبّروا ورأوا أن الساعة قد حانت لعودتهم للواجهة ولجنى الأرباح، دون النظر إلى تلك الكتل الصخرية الضخمة الجاثمة على صدر المواطنين.. الكهرباء التى تُقطع بانتظام.. المواد البترولية غير المتوافرة.. المعارك بين الناس وهم يحاصرون سيارة نقل للحصول على أنبوبة بوتاجاز.

الأنباء كانت تتوالى عن جهود لتشكيل حرس ثورى، واجتماعات فى ليبيا لإعادة عناصر «القاعدة» وتسكينهم فى سيناء، والتحالف مع الجماعات بالصعيد لتشكيل لجان الحسبة، وهم يلفون الشوارع على دراجات بخارية رافعين الرايات والأسلحة، ونحن نرى ذلك رأى العين فى وسائل إعلامهم.

عمليات إرهابية طالت جنودنا فى رفح، والحرائق فى كل مكان.. اللون الرمادى الكئيب خيّم على سماء مصر، وظهرت الوجوه الحقيقية... بدا ما كان جاثماً فى الصدور، وتصور الجميع أن لحظة المكافأة حانت، وأن التمكين قد حصل، ولاعبتهم أحلامهم القديمة للسيطرة على الدولة لمدة خمسمائة عام كما كان يصرح قياداتهم، لكنهم فشلوا فى كل الملفات، وكانت كلمات رئيسهم وخطاباته مثيرة للشفقة والسخرية، وآخرها ما جرى فى الاستاد من دعوات للجهاد فى سوريا، وكان الهدف من ذلك هو جر الجيش والداخلية للعنف وإلى معركة يسقط فيها ضحايا وتُسال فيها دماء، فيخرج الإخوان يبكون ويولولون ويمزقون الثياب ويخرجون الجنازات ويتهمون القوات المسلحة بقتل المدنيين المسالمين، وفشلت تلك المحاولات، فاستعانت بالجماعات الصغيرة، ومنها الجماعة الإسلامية، والجهاد، وطلاب الشريعة وحازمون، وتنظيمات سيناء؛ بحجة الخوف من سقوط المشروع الإسلامى، وهكذا ظهر «حازمون» وهم يحاصرون مدينة الإنتاج الإعلامى.

كان الخطر يحاصرنا من كل مكان، وخوفنا الحقيقى كان على مصر، التى يمكن أن تذهب ولن تعود، ولم نجد برهة واحدة نلتقط فيها أنفاسنا، حتى فى منازلنا أطلوا علينا من التلفاز فى حلقات منصوبة يهددون الجميع... مخدرون طوال الوقت... كيف لم يروا كل هؤلاء الناس الذين ضدهم؟ لكنهم منعزلون عن مجتمعهم وليسوا جزءاً منه، وشتان بين من يجعل مجتمعه محور اهتمامه ومن يتمحور حول ذاته، وبين من يسعى لتمكين مجتمعه من وسائل النهضة ومن جاهد ليتمكن هو من المجتمع ليتحول إلى تابع له.

تجمهروا عند قصر الاتحادية، واعتصموا فى رابعة والنهضة، وعبثوا بأحلام أتباعهم بأن الملائكة تنزل عليهم، وقالوا لهم إن الدولة العميقة تفشلنا، ورفضوا تغيير الحكومة، ولكننا كنا نعرف أن الجماعة لم تصمد لشهوة الحكم الذى بدا كثمرة لا بد من قطفها. كانت أشواق التنظيم العريض الطاعن فى السن فى انتظار تلك اللحظة فقرر خطفها دون أن يعدّ إجابات عن أسئلة الدولة، لذا فهم اكتووا بنيران الحكم الذى فشلوا أن يسوسوه وقتلتهم تلك الثمرة المسمومة.

مر الوقت وكثرت الضوضاء والشعب حيران بين هؤلاء الإخوان الذين يلبسون كل ما يفعلونه ثياب القداسة، وبين الحياة التى أوشكت على النفاد، وكان السؤال المحتجب فى الأعماق مكبوتاً ومطموساً.. إلى متى سيظل هؤلاء جاثمين على صدورنا؟، وتشبث الشعب بالهواء وصارع من أجل قبضة حرية، وانفجر فى داخله البركان، والجواب النهائى كان ثورة 30 يونيو.

نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.