كيف أصبح دور الجيش سلبياً في إسرائيل؟

طارق فهمي
طارق فهمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

تتغير الأمور في إسرائيل بصورة دراماتيكية، فالجيش الذي كان في صدارة مؤسسات الدولة العبرية وحامي مقدراتها، ووجودها في محيط عربي وإقليمي ما زال معادياً هو نفسه الجيش المتهم في الوقت الراهن أمام ساسة الدولة بدءاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مروراً بقيادات الأحزاب والمعارضة بأنه بات جزءاً من معضلة الدولة. الجيش بات يعاني أزمة هيكلية حقيقية كونه لم يحقق انتصارات في مسرح عمليات غزة، وأنه متردد في التعامل مع جبهة الشمال حيث الخطر الأكبر متمثلاً في «حزب الله»، وأن الجيش ما زال مطالباً باستعادة مكانة الدولة، ودورها في الإقليم بعيداً عن ما جرى من استخدام القوة الكبيرة، وغير المحسوبة في رفح، ومن قبل في خان يونس ومدينة غزة مما أسفر عن وقوع خسائر كبيرة للجيش من جانب إضافة للمساس بسمعة الدولة العبرية، فإذ بالجيش يتسبب في دخول إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الإنسانية، وتعرض قيادتها لمحاكم كبرى بما فيها المحكمة الجنائية قادة الدولة، والعديد من قيادات التشكيلات، وبالاسم ما يؤكد أن سمعة الجيش الإسرائيلي تضررت بصورة كبيرة، ولم يعد الجيش المصنف دولياً، بل جيش يبحث عن النصر بأي صورة حتى لو اقتضى الأمر استمرار الحرب والعمل على خيارات القوة برغم وجود قيادات سابقة في الجيش وأغلبهم تولى مواقع قيادية يدعون لوقف العمليات العسكرية، والانتقال إلى مرحلة الترتيبات الأمنية.

الأمر مرتبط في المقام الأول بما هو قادم من سيناريوهات حقيقية للتعامل، وليس مجرد سياسات مرتبكة ومترددة لا معنى لها في محيطها الراهن، وهو ما يؤكد أن إسرائيل في حاجة إلى مراجعة مواقفها، وليس الجيش فقط إذ انسحب من المشهد بعض القيادات، وتمت إقالة قيادات أخرى، وهو ما امتد إلى مجمع الاستخبارات، وفي صورة غير مسبوقة، وهو ما يفسر الحالة التي بات عليها الجيش الإسرائيلي، وقياداته الجديدة التي تريد أن تبني مجداً عسكرياً لها يحسب لهم في سيرهم الذاتية، خاصة أن المجموعات التي تولت لاتزال حديثة العهد بالحرب في غزة، وليس لديها خبرة. الجيش كما يتردد في أوساط مهمة في شعب الاستخبارات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي والتقييمات العسكرية لم يحارب حروباً نظامية منذ حرب أكتوبر 1973 في مقابل حروب مع ميليشيات وفصائل، ومن ثم فإن ما يجري من تطورات حقيقية تتطلب إعادة ترتيب الأوضاع في الجيش، وتمكين وزير الدفاع من القيام بدوره بدلاً من قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بالقفز على مهام العسكريين.

يجرى ذلك في ظل العديد من الترتيبات السياسية والأمنية التي يعمل عليها الجيش باعتباره المسؤول على إدارة الأوضاع، وفي قواعد متماسكة بصرف النظر عما يجري، خاصة أن العلاقات المدنية والعسكرية في إسرائيل واضحة، ولن تتغير إلا في حالات قصوى وتعرض الأمن القومي الإسرائيلي للخطر في ظل ما يجري في الداخل. ولعل أزمة الحريديم ماثلة ومطروحة لمشاركة عناصرهم في الجيش ولجوء الكنيست لتأجيل الأمر لبعض الوقت إلا أن كل الشواهد تركز على أن هناك خطراً حقيقياً على تماسك الدولة وتوفير مناعتها الوطنية التي كان الجيش يتباهى بها في كل وقت خاصة، وأن قوانين جديدة ستعلن عن نفسها في الفترة المقبلة ستمس سمعة الجيش الإسرائيلي وقدرته على المواجهة، والانتقال تدريجياً إلى مراحل مختلفة من التداخل في المهام السياسية والاستراتيجية، وقد تؤثر على مهامه القتالية في ظل صراع حقيقي على ترتيب الأولويات والمهام وفق منظومة وطنية جديدة تتآكل بصورة لافتة.

وتتخوف جهات وازنة في الداخل الإسرائيلي، وخاصة في المؤسسة الدينية من المساس بثوابتها ما يؤكد عودة الحديث المسكوت عنه باحتمالات انقلاب الجيش الإسرائيلي على الوضع السياسي والتفكير جدياً في تغيير السياسة، خاصة أن بعض القيادات العسكرية تتأهب للانضمام إلى قائمة عسكرية رافضة لنهج رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وترى في استمراره خطراً على الدولة العبرية بأكملها، وأنها يجب أن تحظى بقيادات بديلة عن تلك الموجودة في الساحة السياسية.

اختفت قيادات الأحزاب الوازنة، وحلت قيادات ضعيفة ليس لها تأثير في المستوى السياسي الراهن خاصة أن جيل اليمين الإسرائيلي الموجود في السلطة يتضمن شخصيات لا تحمل أي تاريخ سياسي يعتد به بل هم عناصر قادمة من حركات الاستيطان والعنف وخرجت تتولى مهاماً حزبية لتصبح إسرائيل بأكملها في دائرة حكم اليمين، ومن ثم فهناك توقع بأن إسرائيل ستشهد حالة من الحراك العسكري في مواجهة ما يجري من خيارات سياسية متضاربة، والخوف أن يمتد ذلك إلى المجتمع أيضاً، والذي بات منقسماً إلى جزئيين أحداهما داع لاستمرار المواجهة والقبول بسياسات نتنياهو، ومن معه، وآخر يسعى لوقف ما يجري حفاظاً على ما تبقى من الدولة ومحدداتها الرئيسة.

* نقلا عن "الاتحاد"


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط