مثالب مستأجري المنازل (2)

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

حينما كتبت الحلقة الأولى من هذه المقالة والتي نقلت فيها نص كتاب البخلاء الذي ذكره الجاحظ وهو من أندر النصوص التي تناولت مستأجري البيوت والمنازل من الناحية الخبرية الواقعية ويستثنى من ذلك الكتابات الفقهية. والتي تناولت إجار المنازل من ناحية الحكم الفقهي ونزاعات التقاضي حول السكنى، أما المصدر الذي يصلح للدراسات الاقتصادية والاجتماعية والأدبية فكتاب البخلاء عموماً وهذه الرسالة المتميزة على وجه الخصوص. ولنكمل هنا أهم ما جاء في تكملتها مع التهذيب يقول الجاحظ: (( ..." ثم إن كثيراً منكم يدافع بالكراء، ويماطل بالأداء. حتى إذا جمعت أشهر عليه، فر وخلى أربابها جياعاً، يتندمون على ما كان من حسن تقاضيهم وإحسانهم. فكان جزاؤهم وشكرهم اقتطاع حقوقهم، والذهاب بأقواتهم" .

"ويسكنها الساكن حين يسكنها وقد كسحناها ونظفناها، لتحسن في عين المستأجر، وليرغب فيها الناظر. فإذا خرج ترك فيها مزبلة وخراباً، لا تصلحه إلا النفقة الموجعة"...

"وإن كانت الدار مقرمدة، أو بالأجر مفروشة، وقد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون الدق عليها، ولتكون واقية دونها، دعاهم التهاون والقسوة، والغش والفسولة، إلى أن يدقوا حيث جلسوا...

"وبعد فالدور ملقاة، وأربابها منكوبون وملقون. وهم أشد الناس اغتراراً بالناس، وأبعدهم غاية من سلامة الصدور. وذلك أن من دفع داره ونقضها وساجها وأبوابها، مع حديدها وذهب سقوفها، إلى مجهول لا يعرف، فقد وضعها في مواضع الغرر، وعلى أعظم الخطر. وقد صار في معنى المودع، وصار المكتري في موضع المودع. ثم ليست الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع أسرع منها إلى الدور" .

"وأيضاً، إن أصلح السكان حالاً من إذا وجد في الدار مرمة، ففوضوا إليه النفقة، وأن يكون ذلك محسوباً له عند الأهلة، يشفف في البناء، ويزيد في الحساب".

"فما ظنك بقزم هؤلاء أصلحهم، وهم خيارهم!" "وأنتم أيضاً إنما اكتريتم مستغلات غيرنا بأكثر مما اكتريتموها مناً. فسيروا فينا كسيرتكم فيهم، وأعطونا من أنفسكم، مثل ما تريدونه منا" .
"وربما بنيتم في الأرض. فإذا صار البناء بنيانكم، وإن كانت الأرض لغيركم، ادعيتم الشركة، وجعلتموه كالإجارة، وحتى تصيروه كتلاد مال، أو موروث سلف"...
"ومن اتخذ داراً فقد أقام كفيلاً لا يخفر، وزعيماً لا يغرم. وإن غاب عنها حن إليها. وإن أقام فيها ألزمته المؤن، وعرضته للفتن، إن أساءوا جواره، وأنكر مكانه، وبعد مصلاه، ومات عنه سوقه، وتفاوتت حوائجه، ورأى أنه قد أخطأ في اختيارها على سواها، وأنه لم يوفق لرشده حين آثرها على غيرها. وإن من كان كذلك فهو عبد داره، وخول جاره".
"وإن صاحب الكراء الخيار في يده، والأمر إليه: فكل دار هي له متنزه، إن شاء، ومتجر، إن شاء، ومسكن، إن شاء. لم يحتمل فيها اليسير من الذل، ولا القليل من الضيم؛ ولا يعرف الهوان، ولا يسام الخسف، ولا يحترس من الحساد، ولا يداري المتعللين".
"وصاحب الشراء يجرع المرار، ويسقى بكأس الغيظ، ويكد لطلب الحوائج، ويحتمل الذلة، وإن كان ذا أنفة. إن عفا عفا على كظم. ولا يوجه ذلك منه إلا إلى العجز. وإن رام المكافأة، تعرض لأكثر مما أنكره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق".
"وزعمتم أن تسقط الكراء أهون، إذ كان شيئاً بعد شيء، وأن الشدائد إذا وقعت جملة جاءت غامرة للقوة. فأما إذا تقطع وتفرق، فليس يكترث لها إلا من يفقدها ويذكرها".

"ومال الشراء يخرج جملة، وثلمته في المال واسعة، وطعنته نافذة. ليس كل خرق يرقع، ولا كل خارج يرجع".
"وأنه قد أمن من الحرق والغرق، وميل أسطون، وانقصاف سهم، واسترخاء أساس، وسقوط سترة، وسوء جوار، وحسد مشاكل" .
"وإنه إما لا يزال في بلاء، وإما أن يكون متوقعاً لبلاء".
"وقلتم: إن كان تاجراً، فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح، وتحويله في أصناف البياعات أكيس. وإن لم يكن تاجراً، ففيما وصفناه له ناه، وفيما عددنا له زاجر".
"فلم يمنعكم حرمة المساكنة، وحق المجاورة، والحاجة إلى السكنى، وموافقة المنزل، أن أشرتم على الناس بترك الشراء! وفي كساد الدور فساد لأثمان الدور، وجراءة للمستأجر، واستحطاط من الغلة، وخسران في أصل المال".

"وزعمتم أنكم قد أحسنتم إلينا حين حثثتم الناس على الكراء، لما في ذلك من الرخاء والنماء! فأنتم لم تريدوا نفعنا بترغيبهم في الكراء، بل إنما أردتم أن تضرونا بتزهيدكم في الشراء! " "وليس ينبغي أن يحكم على كل قوم إلا بسبيلهم، وبالذي يغلب عليهم من أعمالهم. فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم، وكلها حجة عليكم، وكلها داعية تهمتكم، وأخذ الحذر منكم. وليست لكم خصلة محمودة، ولا خلة فيما بيننا وبينكم مرضية! " "وقد أريناكم أن كم النازلين كحكم المقيمين، وأن كل زيادة فلها نصيب من الغلة".
"ولو تغافلت لك - يا أخا أهل البصرة - عن زيادة رجلين، لم أبعدك - على قدر ما رأيت منك - أن تلزمني ذلك - فيما يتبين - حتى يصير كراء الواحد ككراء الألف، وتصير الإقامة كالظعن، والتفريغ كالشغل! " "وعلى أني لو كنت أمسكت عن تقاضيك، وتغافلت عن تعريفك ما عليك، لذهب الإحسان إليك باطلاً، إذ كنت لا ترى للزيادة قدراً" ...
قال إسماعيل بن غزوان: لله در الكندي! ما كان أحكمه، وأحضر حجته، وأنصح جيبه، وأدوم طريقته! رأيته وقد أقبل على جماعة، ما فيها إلا مفسد، أو من يزين الفساد لأهله: من شاعر بوده أن الناس كلهم قد جازوا حد المسرفين، إلى حدود المجانين! ومن صاحب تنقيع واستئكال، ومن ملاق متقرب. ))

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.