أفق العلاقات بين السعودية وإيران في عهد بزشكيان!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

بعد أن أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية فوز المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان في الانتخابات الرئاسية، في 6 تموز (يوليو) الجاري، ليكون الرئيس التاسع للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعث الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود برقية تهنئة للرئيس الجديد، شدد فيها على تطلع المملكة لـ"الاستمرار في تنمية العلاقات التي تربط بين بلدينا وشعبينا الشقيقين، ومواصلة التنسيق والتشاور في سبيل تعزيز الأمن والسلام الإقليمي والدولي"، متمنياً لـ"فخامتكم موفور الصحة والسعادة، ولشعب الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيق المزيد من التقدم والازدهار".

لم تكن تلك التهنئة السعودية الوحيدة، فقد بعث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برقية للرئيس مسعود بزشكيان، شدد فيها على "تطوير وتعميق العلاقات التي تجمع بلدينا وشعبينا، وتخدم مصالحنا المشتركة".

هذه الرسائل السعودية إلى إيران ليست مجرد تهنئة شكلية، إنما تعبر عن رغبة جادة لدى الرياض في بناء علاقات دبلوماسية – صحية مع طهران، تقوم على مبدأ احترام الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والحوار الشفاف من أجل بناء تفاهمات مشتركة، تمهد إلى حل المشكلات الثنائية أو الإقليمية التي تهم البلدين.

أبدت السعودية، منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، نوايا حسنة تجاه الجارة الشرقية. فقد بعث حينها الراحل الملك خالد بن عبد العزيز مبعوثاً خاصاً رفيع المستوى، حمل رسالة تهنئة للقيادة الإيرانية، والتقى مؤسس الجمهورية روح الله الخميني، وأعرب له عن تطلعات القيادة السعودية لعلاقات حسنة.

كانت الخطوة السعودية ترى أن هنالك إمكانية لتعاون بين الرياض وطهران، يتجاوز بعض السلبيات التي كانت إبان حكم الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، خصوصاً أن النظام الجديد رفع شعار "الإسلام"، وهو الدين الكريم الذي يجمع البلدين المؤثرين في الخليج العربي والشرق الأوسط. من هنا، عندما احتاجت حينها إيران لكميات من الوقود، حيث كانت تعاني من شح في المحروقات، قامت السعودية بتوفير ذلك، لدعم الجمهورية الجديدة.

أبعد من ذلك، وعلى الرغم من سنوات الحرب العراقية – الإيرانية، وما أفرزته من مشكلات واسعة أمنية وسياسية واقتصادية، سعت السعودية لأن تنهي الحرب، ورعت مفاوضات سرية بين بغداد وطهران في إحدى العواصم الأوربية، وتاليا لقاء في الولايات المتحدة، على مراحل عدة، كانت نتيجتها النهائية قبول البلدين بالقرارات الأممية ووقف إطلاق النار.

ذات مرة، كان هنالك تواصل بين الخارجية السعودية والإيرانية، وتم اقتراح عقد لقاء بين وزيري خارجية البلدين، حيث اقترحت إيران أن يتم اللقاء في الكويت، إلا أن وزير الخارجية السعودي حينها الراحل الأمير سعود الفيصل، قال لماذا لا يكون اللقاء في الرياض أو طهران؟ وهذا بالفعل ما تم، حيث ذهب الفيصل بنفسه رفقة وفد ديبلوماسي إلى الجمهورية الإسلامية.

الفيصل الذي زار إيران أكثر من مرة، والتقى مرشد الثورة علي خامنئي، لم يكن هو المسؤول السعودي الوحيد الذي زار الجمهورية الإسلامية، فقد زارها الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما كان ولياً للعهد، في عام 1997، أثناء انعقاد "مؤتمر القمة الإسلامية الثامنة"، حيث التقى الرئيس الإيراني محمد خاتمي.

وزير الداخلية السعودي الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز، ورئيس مجلس الأمن الوطني الأمير بندر بن سلطان، ووزير الخارجية الحالي الأمير فيصل بن فرحان، وسواهم من المسؤولين السعوديين، جميعهم زاروا إيران في مهمات رسمية طيلة سنوات، وكل ذلك يشير إلى أن الرياض يهمها أن يكون هنالك تعاون وعلاقات إيجابية مع طهران.

حالياً، وبعد الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية صينية، 2023، حصل استئناف للعلاقات الثنائية، ويجري العمل على بناء الثقة خطوة بخطوة، لأن المراد ليس مجرد وجود سفراء أو علاقات صورية، وإنما أن يكون هنالك حلّ حقيقي ودائم للمشكلات التي أدت لتوتر العلاقات وقطيعتها سابقاً، لأن هذا الحل سيقود إلى تعاون فعال أمني وسياسي واقتصادي، وعلاقات شعبية، منطقة الشرق الأوسط في أمس الحاجة لها.

تسنم مسعود بزشكيان سدة رئاسة الجمهورية في إيران لن يغير الكثير في العلاقات الثنائية بين البلدين، فهي علاقات بين المؤسسات لا الأفراد. إلا أن بزشكيان بسياسته التي تسعى إلى تخفيف التوترات الخارجية ورفع العقوبات الدولية عن بلاده، وانتمائه لـ"التيار الإصلاحي"، ووجود داعمين له مثل الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني، وكذلك وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، بإمكانه في وجود شخصيات كهذه مؤيدة لعلاقات حسنة مع الجوار، أن يؤسس لنواة صلبة في وزارة الخارجية، تكمل الخطوات التي بدأتها حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، وتطورها بشكل أسرع ومستدام، وتعمل بذكاء على الحد من تدخل "الحرس الثوري" في السياسة الخارجية، وهي مهمة لن تكون سهلة، وتحتاج دعماً واضحاً من مكتب مرشد الثورة.

كان المرشد علي خامنئي هو من أعطى الضوء الأخضر لحكومة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي بتوقيع اتفاقية بكين، والسعي إلى بناء علاقات متوازنة مع دول الخليج العربي، لأنه يدرك أن تحسين الوضع الاقتصادي ورفع العقوبات الدولية لا يمكن تحقيقه إذا بقيت إيران في عزلة عن محيطها الإقليمي. وعليه، مرجح أن يجد الرئيس الجديد مسعود بزشكيان، دعماً من مكتب المرشد تجاه تطوير العلاقات مع دول الجوار، إلا أن ذلك مرهون بتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط من جهة، ومدى قدرة بزشكيان على تحييد أي مفاعيل سلبية لنشاطات المليشيات المسلحة الموالية لإيران في المنطقة، وضبط تحركاتها، وعدم توجيه سلاحها نحو الدول العربية.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.