لغة «الشيطان الأكبر» الجديدة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
«خلافاتنا مع أمريكا تدور حول حصة إيران في منطقة الشرق الأوسط»، أما غير ذلك فلا خلاف من حيث المبدأ. هذا التصريح لم يأتِ من شخص عديم الخبرة، ولكنه صادر وعلى عينك يا تاجر من وزير خارجية إيران، وهو رجل سياسي ذو خبرة وحنكة في مجال عمله. تصريح لا يحتاج إلى تفسير أو تكهنات، ولا يمكن قبول أي تفسير له إلا تفسيراً واحداً وهو أن أطماع إيران في دول المنطقة لن تقف ولن تنتهي، وأن تصريح وزير خارجيتها هو بمنزلة ناقوس خطر لدول الخليج قاطبة، وقد يكون في هذا التصريح إجابة وافية لكل من لديه شك في توافر أي توتر في العلاقات الأمريكية–الإيرانية، فهي على العموم متوافقة إلا في ما يخص تمدد إيران في المنطقة، فهناك خلاف على الحصة، ولاحظوا أن التصريح يبين ضمنياً أن أمريكا لا ترفض التوسع الإيراني في المنطقة، لكنها مترددة بشأن حجم ذلك التوسع، خاصة إذا كان يضر بمصالحها. العلاقات بين البلدين رغم كل التوترات التي كانت قائمة بينهما وخاصة اثناء الثورة الإيرانية عام 1979، إلا أنها لم تنقطع يوما، رغم كل ما كان يبث عبر وسائل الإعلام الرسمية للبلدين، وخاصة الإيرانية التي كانت تصف أمريكا بالشيطان الأكبر. النفط الإيراني حسب التقارير التي جاءت لاحقاً لم يتوقف تدفقه إلى أمريكا في ذروة الأزمة بين البلدين عندما تم الاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن لمدة 444 يوماً، والبضائع الأمريكية تملأ الأسواق الإيرانية، أما المباحثات السرية فلم تنقطع رغم ادعاء الطرفين بشأن توقفها وكان من نتائجها الاتفاق النووي الإيراني (5+1) الذي تم في يوليو 2015 وفوجئت به كل دول الخليج. أما عن علاقة إيران بإسرائيل ومخططاتها السرية معها في ما يخص المنطقة، فقد أصبحت واضحة لكل من يتتبع الأحداث على مر السنوات، ولنا في غزة خير مثال. الكاتب الأمريكي الإيراني الأصل تريتا بارسي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جون هبكنز الأمريكية، مؤسس ورئيس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي سابقا تكلم في كتابه «التحالف الغادر» عن التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة وطرق التواصل الخفية بينهما وعن علاقاتهما التي تبدو ملتهبة على السطح، بينما هي في الواقع دافئة وحميمة خلف الكواليس، ويشرح كيف أن إيران وإسرائيل ليستا في صراع أيديولوجي في ما بينهما كما يتصور البعض، لكنهما في صراع استراتيجي قابل للحل يتمحور حول بسط النفوذ في المنطقة، وهذا هو السبب الرئيسي لعدم لجوء أي منها للحرب ضد الآخر منذ نشأة الكيان الصهيوني إلى يومنا هذا.
الكتاب يكشف بالحقائق الاجتماعات السرية العديدة التي تمت بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، في أكثر من عاصمة أوروبية من أجل الوصول لصفقة متكاملة تحقق مصالح الدول الثلاث في المنطقة، كما يبين ما قدمته إيران من أفكار وتنازلات لحل النزاع مع أمريكا ضمن الوثيقة السرية التي نقلها إلى أمريكا الوسيط السويسري عام 2003. تصريح وزير الخارجية الإيراني الأخير لا يحتاج إلى تفسير أكثر، وعلى دولنا أن تعي وتعد العدة لمواجهة ذلك مستقبلاً. والله خير الحافظين.
*نقلاً عن "القبس"