نحو تجاوز القطيعة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
منذ أيام قليلة انتهيت من قراءة كتاب قيّم للغاية بعنوان «علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة»، لمؤلفه الدكتور ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية ببيروت، إصدارات مركز نهوض للدراسات والبحوث.
والكتاب عبارة عن دراسة ميدانية تحليلية لطبيعة المناهج والعلوم، التي تدرّس في كليات الشريعة والمعاهد والمؤسسات الدينية في عدد من الدول العربية والإسلامية، ومدى مراعاة مناهج تلك المؤسسات القيام بتدريس العلوم الاجتماعية، التي تربط دارس العلوم الشرعية بالعلوم الأخرى، كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم القانون وخلافه، والمؤلف يتبنّى منهجية مهمة عبّر عنها في ثنايا الكتاب وفي خاتمته، تنص على ضرورة وحاجة الدارسين والمتبحرين في علوم الشرع وأصحاب الفتيا للتعلّم وكسب العلوم الاجتماعية، لتعزيز فهمهم للمجتمع في العصر الحديث في ظل متغيرات كبيرة اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، وهذا التزاوج بين المنهج العلمي والتعليم الشرعي، إذا تم وفق أصوله وضوابطه العلمية والشرعية، من شأنه أن يحسّن من نوعية وآلية اتخاذ القرار المعني بالموقف الشرعي ليتواكب مع الفكر المعاصر.
وفي إطار تجاوز القطيعة بين العلوم، وعلى منوال دراسة الدكتور ساري حنفي السابق ذكرها، ومن واقع التخصص والتجربة، أجد من الأهمية أن يتعلّم ويستفيد أهل القانون، من مشرّعين وأكاديميين وباحثين، من العلوم الإنسانية المرتبطة بالعلوم الاجتماعية والاستزادة منها، فالتشريعات القانونية بناء حي مرتبط بحاجات الدولة والأفراد، وتلك الحاجات تتغير وتتبدل مع مر الزمان، وعليه فإن تلك التشريعات تتطلب متابعة وتقييماً وإعادة نظر بين الحين والآخر، ولذلك ليس بالضرورة قوانين الكويت، التي شرّعت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تبقى صالحة للتطبيق والتعامل مع حاجات الدولة وأفراد المجتمع في أيامنا هذه، ومن واقع التواصل مع الجسم القضائي، يجد بعض القضاة أن القوانين القائمة لا تلبي متطلبات الدعاوى القضائية، التي تنظرها المحاكم، بل تجدهم أحياناً يجتهدون في حدود التشريعات القائمة لمعالجة مستجدات لم يتعامل معها القانون، بسبب قدم تلك التشريعات، ويجرنا هذا الأمر الى ضرورة اهتمام السلطات المختصة في الدولة، عند سن التشريعات الحديثة أو إعادة النظر والتعديل على التشريعات القائمة، بتبنّي منهجية عمل، تتضمن الاستعانة بخبراء الاجتماع، والأخذ بآليات البحث في العلوم الاجتماعية عند مراجعة أو دراسة موضوع القانون المطروح، لمعرفة توجهات المجتمع والمتغيرات القائمة، ومن ثم القيام ببناء تشريعي محل الصياغة يتناسب وواقع العصر.
وعلى نطاق إستراتيجي أكبر، على مؤسسات الدولة الاهتمام بالعلوم الاجتماعية في إطار إعدادها للخطط والمشاريع التنموية للدولة، أو التعامل مع الأخطار أو الفرص المتاحة في ظل المتغيرات الاجتماعية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ابتداءً: كيف تحقق الدولة أقصى تفاعل من قبل أفراد المجتمع لدعم خطط التنمية، في ظل العولمة والتطور السريع للتكنولوجيا، وانتشار المعلومات، والانفتاح على العالم، وأثر تلك المتغيرات على عقلية أفراد المجتمع؟ ومثال آخر جدير بالطرح والدراسة ما يردده البعض من تراجع لأخلاقيات العمل السياسي والمهني في المسيرة البرلمانية، مع تنامٍ كبير للعمل الفردي على حساب العمل الجماعي، وغلبة حالة الصراع بين السلطات على حساب التوافق والتعاون والعمل المشترك، كما أن هناك متغيرات عديدة في المجتمع (التغير في عقلية وتوجهات الشريحة الشبابية – تراجع القيم الأخلاقية في ظل الانفتاح والعولمة – زيادة نسبة الفئات العاطلة في المجتمع، وخصوصاً المتقاعدين، من دون الاستفادة من تلك الطاقات.. إلخ)، وما سبق مثال لقضايا اجتماعية حيوية، تتطلب البحث والتحري لمعالجتها بما يحقق مصلحة المجتمع والدولة.
يعقّب عالم الاجتماع العربي علي الوردي على مقولة الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تعلموا أبناءكم على عاداتكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»، قائلاً: «هذه لعمري لحكمة بالغة، والإمام يشير بها إلى أن المجتمع في تطوّر مستمر، فالعادة التي تصلح لزمان، قد لا تصلح لزمان آخر».
أي على مؤسسات الدولة، وبالأخص المعنية بالتخطيط والتنفيذ للخطط التنموية أو البرامج الحكومية، العمل على الاستفادة من العلوم الاجتماعية في نطاق إعدادها وتنفيذها للخطط والبرامج الحكومية، ويقترح أن تقوم الحكومة بإنشاء وحدة دراسات متخصصة بالعلوم الاجتماعية ملحقة بمجلس الوزراء، يكون من ضمن أدوارها توفير الدعم الفني للتشريعات والنظم والقرارات الحكومية، التي تمس الدولة والمجتمع والأفراد، والدعوة توجّه أيضاً للمؤسسات التعليمية، وبالأخص الجامعات والكليات، لتبنّي منهجية متطورة تجمع بين العلوم الإنسانية، بما يحقق الفائدة للدولة والمجتمع.
*نقلاً عن "القبس"