التربية فى عصر العولمة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كيف نربى أولادنا فى زمن الفضاء المفتوح، والاختراق عبر الإنترنت والقنوات الفضائية؟ الإجابة ليست سهلة، فلدى معظم أولادنا، وفى سن مبكرة، جهاز «الموبايل»، الذى يمكن من خلاله الاطلاع على كل ما يدور فى العالم، هناك برامج موجهة للتأثير الثقافى والأخلاقي، تُعرف بنشر القيم الأجنبية، التى تحتوى على العديد من القيم الغريبة عن مجتمعاتنا، وتؤثر سلبيا على هويتنا الثقافية، يأتى هذا الغزو بسهولة من خلال جهاز بسيط يحمله أبناؤنا ويطلعون على محتوياته بعيدًا عنا، سواء فى غرفهم أو بصحبة أقرانهم. تفوق مهاراتهم فى تصفح المواقع والبرامج قدراتنا، لأننا اعتدنا على هذا الجهاز فى أعمار متقدمة، بينما نشأوا عليه منذ الصغر.
كنا فى الماضى تحت أنظار آبائنا معظم الوقت، وكانوا المصدر الرئيسى للعادات والتقاليد والمعارف، كانوا يغرسون فينا القيم والتقاليد التى تميزنا، وحتى عندما كنا نتعرف على عدد أكبر من المعارف والأصدقاء والأقارب، كانوا يشاطروننا نفس الأفكار والقيم والعادات، كانت المدرسة هى المؤثر الثاني، حيث تقدم لنا العلوم والمعارف من خلال معلمين مثل آبائنا، يحملون نفس القيم والعادات، ولم نجد تفاوتًا بين ما نتعلمه من آبائنا وما نعرفه من معلمينا، فالمدرسة والبيت كانا متكاملين، كما كنا نتعلم كيفية اكتساب المهارات الأولية فى الحياة من خلال مساعدة آبائنا فى أعمالهم داخل البيت أو خارجه، كتنظيف حجراتنا، وترتيب ملابسنا وأدواتنا، والمشاركة فى شراء احتياجات المنزل.
تزداد هذه المهام كلما كبرنا، وتعدنا للاعتماد على النفس، واكتساب مهارات إعالة أنفسنا، والمشاركة فى العمل خطوة تلو الأخرى. لهذا، أتذكر أننى لم أجد صعوبة عندما انتقلت من الأقصر إلى المدينة الجامعية فى القاهرة، حيث كنت أعتنى بغرفتى وأرتب ملابسى واحتياجاتي، وجدت زملائى يشبهوننى فى عاداتى وأفكاري، لكن هذا الوضع تغير الآن.
لم تعد الأسرة هى الركيزة الأولى أو الوحيدة فى التنشئة واكتساب المهارات والتقاليد؛ بل تراجع تأثيرها لسببين: الأول انشغال الأبوين بالعمل عادة، والثانى الأخطر هو توغل الأفكار والبرامج الوافدة عبر وسيلة سهلة للغاية تتوفر فى أيدى الأبناء منذ الصغر، وهى أجهزة الهاتف المحمول «الموبايل»، وما فيها من آلاف البرامج والمواقع، كثير منها غير بريء وموجه نحو اختراق عقول وأفئدة أبنائنا.
كان علينا أن نؤخر حصول أولادنا على هذا الجهاز قدر الإمكان، لكننا نجد أنه أسهل وسيلة للاتصال بهم واتصالهم بنا عند الضرورة للاطمئنان عليهم، حتى أصبح حملهم له ضرورة لم يعد بالإمكان التخلى عنها أو الحد منها، هناك العديد من الدول وبعض الآباء الذين استطاعوا التخفيف من تلك الأضرار عبر تحديد أوقات استخدام الأبناء للهاتف المحمول، وكذلك بعض مؤسسات العمل والمدارس والجامعات. لكن هذا الإجراء يواجه عنادًا من الأبناء، حيث يعتبرونه وصاية عليهم. لذلك، علينا اللجوء إلى طرق بديلة، وليس الاعتماد على المنع والتحريم. أفضل السبل لذلك هو الحوار مع الأبناء، وإطلاعهم على أضرار بعض المواقع، والتحدث معهم عن أهدافها ومخاطرها.
علينا أن نعترف بأن أبناءنا يعرفون الكثير مما لم نكن نعرفه عندما كنا فى أعمارهم، لذا يجب ألا نتحرج من محادثتهم بكل وضوح، وأن نكسب ثقتهم. يجب أن يدركوا أن حديثنا معهم ليس بهدف القمع أو فرض عقوبة أو الحرمان من شيء يرونه مسليًا وممتعًا، بل لأننا نحرص على سلامتهم.
* نقلا عن "بوابة الأهرام"