مستجدات الدبلوماسية الكويتية.. وإملاءات الواقع

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
7 دقائق للقراءة

التزم المرحوم، الشيخ صباح الأحمد، كوزير للخارجية، بالمبادئ التي خرجت من أزمة ادعاءات عبدالكريم قاسم بتبعية الكويت للعراق، وتشكل هذه المبادئ المنصات التي تستند عليها الدبلوماسية الكويتية، والتي جاءت كحصيلة لاتصالات مرهقة بين الكويت والقاهرة والمملكة العربية السعودية والجامعة العربية، وجوهرها تعميق الروابط مع الجامعة العربية سياسياً ودبلوماسياً والتزام انطلاقاتها السياسية والدبلوماسية بالقرارات التي اتخذتها الجامعة العربية في 22 يوليو 1961، لقبول الكويت عضواً في الجامعة، وموجزها الكويت دولة عربية تحافظ عليها الالتزامات التي اتخذتها الجامعة العربية بقوات عربية معبرة عن رفض عربي متكامل لادعاءات حكومة العراق، وأن أمن الكويت متشابك بالأمن العربي الجماعي، ويعني ذلك، ابتعاد الكويت عن الاستعانة بتحالفات مع الدول الكبرى والحفاظ على تمتعها بالفضاء العربي وحده، دون تحالفات أخرى..

وأدركت القيادة الكويتية بأن حضن الجامعة العربية أصبح المؤتمن على استقلالها والضامن لسيادتها والمرجعية النهائية لأمنها، ويعني ذلك أن تبني الكويت شبكة متنوعة مع المسارات المختلفة للجامعة في السياسة والاقتصاد والتنمية والأهم في ضمان الهوية الكويتية، التي صارت الجامعة العربية محورها الجوهري.

وترجمت الكويت هذه العلاقة غير المسبوقة في الالتزام بقرارات الجامعة في معظم مساراتها، وتأكيد دعمها لهذه القرارات لاسيما في جوانبها السياسية والتنموية والدفاعية، وفوق ذلك انفتحت الأبواب الكويتية لمختلف الجاليات العربية، وعنوانها «الكويت بلاد العرب»..

كان الشيخ صباح الأحمد صادقاً في التزاماته، ومنفذا لتعهداته ومتطوعاً لإسعاف الجامعة العربية من الجروح التي تمس الجامعة العربية والتي سببتها الخلافات العربية - العربية.

كان المرحوم الشيخ صباح الأحمد، فدائياً في نصرته لقضايا الجامعة العربية متجولاً في الفضاء العربي، مطرقاً أبواب العواصم العربية، ناقلاً صفاء الضمير الكويتي في مساعيه الحميدة لبناء جسور بين العواصم العربية مستنداً على حسن النوايا والإيمان بالتضامن العربي والمصير المشترك، وتعميق التفاهم بين الشعوب العربية.

كنت معه في تنقلاته بين عام 1964 إلى 1971، كمدير لمكتبه، معجباً بإيمانه الصلب بأن صفاء العلاقات العربية وعمق الثقة بينها هي الضامن الأكبر لسلامة الكويت بعد أن تقبلت مضمون قرار الجامعة العربية كعضو أمين في الوفاء للمحتويات التي رافقت عضوية الكويت في الجامعة.

كان الخلاف الحاد بين المملكة العربية السعودية ومصر بسبب اليمن أعقد الأزمات وأخطر التهديدات لسلامة العمل العربي المشترك الذي أصابه الانكسار بسبب المواجهة بين أهم العواصم العربية المؤثرة، كان الشيخ صباح مؤمناً بأن هذه المأمورية التي قبلت الكويت للتعامل معها هي أكبر ما يهدد الجامعة العربية، وأخطر عامل للانقسام بين العرب، وبهذه الروح تنقل بين العواصم لاسيما الرياض وجدة والقاهرة، كما جاء ممثلو البلدين في اجتماعات هادئة في الكويت ولم يحققوا شيئاً قد يفتح باب الأمل، وجدد الشيخ صباح حيويته بعد أن كشفت الاتصالات استحالة الحلول من دون لقاء يجمع زعيمي البلدين، وليكن في الكويت، لم يتحقق هذا الأمل لكن تلك الصدمة لم تضعف الروح التطوعية التي تميز بها تجاه الجامعة العربية وقضايا العرب، فصار رئيساً للجنة السباعية العربية حول لبنان ولم تتجاوب مختلف الأطراف العربية مع تجولاته ولم تقدر تطوعه للوفاق، لأن المصالح القطرية كما تسمى كانت الفاعل المؤثر.

ولم تؤثر حسابات المنافع والمصالح التي عطلت التوافق العربي على صلابته في فدائيته للعمل العربي المشترك، فاجتمع العرب على اختياره رئيساً للجنة العربية للدفاع عن العراق، فيلبي النداء العربي بإيمان بالدفاع عن موقف العراق بوقف إطلاق النار بينه وبين إيران التي يصر مرشدها على تحقيق أهدافه في إسقاط النظام العراقي، وتتوقف الحرب بعد قبول إيران وقف إطلاق النار في اغسطس 1988 بعد أن فقدت القدرة على مواصلة الحرب.

ومع نهاية هذه الحرب، بدأ تحرك القيادة العراقية نحو الكويت، ابتداءً من تقديم مقترحات لرسم الحدود بين البلدين، وكأنها جاءت تقديراً للموقف الكويتي الصلب في دعمه للعراق، ويذهب الشيخ صباح إلى بغداد في فبراير 1990، ويعرض عليه سعدون حمادي الوزير العراقي صيغة لترسيم الحدود يبتلع فيها العراق محتوى دولة الكويت وجزره ويقضي على سيادته، ويحوله تابعاً مسكيناً لسلطات بغداد، ويرد الشيخ صباح بقوة رافضاً ومستوعباً حجم الاستخفاف بالدولة الكويتية وتفكيك مظاهرها، ويرسل له بعد ذلك رسالة يستنكر فيها موقف العراق من حقائق الدولة الكويتية ويحملها الوكيل السفير سليمان الشاهين.

كانت تلك مؤشرات واضحة على ما يدبر للكويت، التي لم تنتظر طويلاً لانفجار المؤامرة عبر الغزو، ومن دون تدبير مسبق، وجدت نفسي في سيارة الشيخ صباح الأحمد متجهين إلى حدود المملكة يقودها السائق المخصص له، ومعنا المرحومان فهد الحساوي وسليمان المطوع اللذان كانا وزيرين في آخر وزارة قبل الغزو.

لم ينبس المرحوم الشيخ صباح خلال رحلة العبور بأي كلمة، فقد كانت الصدمة أكبر مفاجأة حدثت للقيادة الكويتية التي تعاملت مع نظام صدام بأصدق النوايا وأعظم التضحيات وأكثر العطاءات، وزاد الألم بأن يكشف الغزو تآمراً عربياً من البعض مع صدام، وعجزاً عربياً لإدانة الغزو من البعض الآخر، وغياب من البعض هروباً من تدوين التاريخ لمواقفه.

لكن هذا الفقر العربي الرسمي الأخلاقي وانحطاط البعض، دفع الكويت شعباً وحكومة لتفتح أعينها على الحقائق التي يعيشها العالم العربي، وتتحول بالتفاؤل نحو مداولات مجلس الأمن الدولي، المعبر عن موقف الأسرة العالمية، ومن هناك يعلو صوت الضمير الإنساني متجاوباً مع صوت المظلوم والمقهور، وتحررت الكويت بمؤازرات خليجية عالمية، ومن ذلك الصوت، الذي حشد الإرادة العالمية لتحرير الكويت، ويقف شعب الكويت وقيادته وكل ما في تراب الكويت، بأن الكويت بحاجة دائمة إلى الردع العالمي لوقف طموحات المغامرين من سكان الإقليم، وتحول هذا الإدراك إلى تبني استراتيجيات مع الشركاء الذين نشترك معهم في تشابك المصالح، والمعبرين عن موقف الأسرة العالمية في الحفاظ على سلامة وأمن الخليج، ترجمة للاستثنائية الاستراتيجية التي يملكها الخليج في منظومة الأمن العالمي.

جاء هذا التحول الدراماتيكي من قناعة قيادية وشعبية بأن الخطر على الكويت وجودياً وليس إعلامياً ومن شهية نزقة ولابد من التعامل معها وفق الآليات التي يتبناها العالم في تطويق التهديد، يعني استحضار الردع، ومن واقع الغزو المؤلم، خرجت الترتيبات الاستراتيجية الثنائية بين الكويت والولايات المتحدة وبينها وبين بريطانيا المتآلفة مع الكويت منذ 1899، وسارت الكويت في عملية تطويع للانسجام مع ترتيبات التحالف، وأبرز تواصل الحوار الجماعي في كل المسارات بما فيها حيوية الدبلوماسية الثنائية الشاملة، وتواصل الحوارات، مع مستلزمات التشاور، وفي الثمانينيات من القرن الماضي زار السلطان قابوس الولايات المتحدة واجتمع مع الرئيس جورج بوش، ومن خلال المباحثات بين الطرفين يشيد بوش بالعلاقات بين مجلس التعاون وواشنطن، لكنه يسأل الجانب العماني عن برود الكويت وعدم اهتمامها بحيوية العلاقات الثنائية، وطلب نقل هذه الملاحظة إلى الكويت، في اجتماع مجلس التعاون نقل لي الوزير يوسف بن علوي، وزير خارجية عمان، هذه الرسالة، وتردد في نقلها إلى الشيخ صباح تجنباً للإحراج، ونقلت هذا الكلام إلى الشيخ صباح، كان ذلك في عام 1988 وجاء التحول بسبب الغزو الذي غير الكثير مما لدى الكويتيين متجاوبين لنداء الضرورة.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.