بين الفتنة اليونانية والفتنة الغربية
يعتقد الفيلسوف المصري الكبير زكي نجيب محمود أن الفرق بين بنية التفكير عند العرب حديثاً وقديماً في تعابيرهم عن الحقائق العلمية يكمن في ميلها نحو الوجدانية والمشاعر أكثر من كونها صارمة ودقيقة كما هي عند الغرب. وهذا من أهم أسباب تخلف العرب الذين يفكرون بقلوبهم لا بعقولهم، كما يتضح من كتاباته.
وفي نظره، وهو الفيلسوف المبدع لا المقلد، فإن تفوق الغرب جاء نتيجة خمسة أسباب: العلم، والعمل، والعدالة، والحرية، وشغف المغامرة. وقد شن زكي نجيب محمود حملة نقد قاسية على الموروث العربي في بداياته الفلسفية، خصوصاً بعد حصوله على الدكتوراه من بريطانيا وعودته إلى مصر. لكنه عاد في نهايات عمره ليقوم بدراسات عميقة للفكر والتراث والحضارة العربية الإسلامية، حيث جاء فيها بشيء من الإنصاف لفهم أسباب تخلف العرب عن ركب الحضارة الأوروبية.
وحالته من حيث الانكفاء نحو دراسة التراث الإسلامي تشبه حالة الدكتور عبد الرحمن بدوي في آواخر عمره. والفرق بينهما أن زكي نجيب محمود أبدع بفكر فلسفي أكثر تحرراً، بينما كان بدوي جامعاً موسوعياً أكثر محافظةً وشرقيةً من محمود وأقل إبداعاً فلسفياً جديداً.
في المقابل، ينبهنا الشيخ مصطفى عبد الرازق، باعث الفلسفة الإسلامية الحديثة قبل زكي نجيب محمود وقبل تلميذه عبد الرحمن بدوي وغيرهما ممن هم عيال على عطائه الفكري الكبير، إلى أن في تراثنا الإسلامي فلسفة أصلية ( حكمة ) مستقلة عن الفلسفة اليونانية، بل هي جزء أصيل من حضارة الإسلام، أتت أصلية في كل نواحيها من عبادات ومعاملات وأخلاق وعلم وتفكر وعدالة وتحرير للنفس البشرية.
الشيخ مصطفى عبد الرازق، شيخ الأزهر في نهاية العقد الخامس من القرن العشرين، ووزير الأوقاف المصري قبل ذلك عدة مرات، حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ليون في دراسته عن الإمام الشافعي، بعد حصوله على شهادة العالمية (الدكتوراه) من الأزهر بعدة سنوات. ولماذا الشافعي بالذات؟ لأن عبد الرازق يرى في علم أصول الفقه الذي بناه الإمام الشافعي قواعد حكيمة (فلسفية) تختص بها الحضارة الإسلامية دون غيرها، مبنية على منطق عقلي يتمثل في القياس والإجماع واستقراء النصوص والعلة واللغة والمنطق، ولا علاقة له بفلسفة اليونان، بل هو حكمة عربية إسلامية خالصة.
وحكمة المسلمين ( فلسفتهم الأصيلة) خلال فترة ما قبل ترجمة كتب اليونان في القرنين الهجريين الأول والثاني لم تقتصر على أصول الفقه فقط، بل تعدتها إلى مباحث في الحكمة (فلسفية) أصلية مثل علم العروض، وقواعد علم الحديث كالجرح والتعديل، وقواعد اللغة وتراكيبها وجذورها، والإدارة، وعلوم الفلك، والطب، والرياضيات وغيرها. ثم اختلطت علوم المسلمين الأصلية بما تُرجِم في عهد المأمون من كتب اليونان، فنتج عن هذا الخلط الممزوج خروج أصحاب الكلام، وتلاهم من يُسمَّون بفلاسفة الإسلام بعد ذلك.
الفتنة الغربية، أو ما يرمز له مالك بن نبي بالقابلية للاستعمار تبعاً لرأي ابن خلدون، هي حالة اعتقاد نفسية، وشعور بالانكسار أمام التفوق الغربي بحضارته المادية. هذه الفتنة حالة مشابهة للفتنة اليونانية التي شاعت بين المسلمين بعد تأسيس دار الحكمة وترجمة كتب اليونان في عهد المأمون، إلا أن قوة، وفتوة، وأصالة، وعمق طرق تفكير ووعي المسلمين آنذاك كسروا من حدة شوكتها السامة، واقتنصوا ما هو مفيد منها، وفنَّدوا ما استطاعوا مما هو مخالف لعقيدة المسلمين الصحيحة عقلاً ونقلاً. من انجرف مع الفتنة اليونانية هم الذين أُطلق عليهم لقب فلاسفة المسلمين، مثل الكندي، والفارابي وابن سينا، فلم يكونوا إلا امتداداً لفلسفة أرسطو وأفلاطون، مترجمين أو شارحين لها، ولم يأتوا بفلسفة عربية أو إسلامية أصلية كحكمة التي تطورت في القرنين الأول والثاني كما يصفهم الشيخ مصطفى عبد الرازق.
حالة زكي نجيب محمود تكرار تأريخي لحالة "فلاسفة الإسلام" مع الفلسفة اليونانية، وحالة مصطفى عبد الرازق نسخة تأريخية مهذبة مؤدبة مكررة من حالة تأصيل ابن تيمية في نفيه لتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، ممزوجة بنقد أبي حامد الغزالي لتهافت ابن رشد الفلسفي وانكبابه على موروث أرسطو وتقليده. بدأ مصطفى عبد الرازق نهضة فلسفية ذات أصول متينة امتداداً لمدرسة شيخه محمد عبده النهضوية، وكان يرى أنه لا يمكن لأي أمة من الأمم أن تبني حضارة تتفوق بها على الأمم الأخرى إذا لم تمتلك عقيدة راسخة، أو فكراً خلاقاً، أو منهاجاً أصيلاً، أو صبغة تمايز لها. هذا الجهد الكبير الخلاق الأصيل من الشيخ مصطفى عبدالرزاق وتلاميذه الكبار الخمسة والعشرين كان من الممكن أن يصبح مدرسة مستدامة تبعث نهضة فكرية أصيلة في عالمنا العربي، إلا أنه استُبدل كغيره من مشاريع النهضة الفكرية الحديثة العميقة بفكر قشوري يدغدغ مشاعر الدهماء بخطب وكتابات وجدانية سطحية تقنعت بقناع يميني أو يساري أو ديني أو قومي أو فكر معلب مستورد دون تثقيف أو تمحيص.