بنغلاديش ما بعد استقالة حسينة

عبد الله المدني
عبد الله المدني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

مع بعض الفوارق البسيطة، سقطت خلال السنوات القليلة الماضية حكومات ثلاثة أقطار آسيوية، وفر قادتها إلى الخارج تحت ضغط الشارع كنتيجة لسوء إدارتها للبلاد، فبعد أفغانستان وسريلانكا رأينا نفس المشاهد تتكرر مؤخرا في بنغلاديش التي فرت زعيمتها المنتخبة الشيخة حسينة واجد إلى الهند في مروحية عسكرية أمنها لها قادة الجيش الذين تسلموا إدارة البلاد منها بعد أن أبلغوها أنه ليس بمقدورهم مواصلة قمع المتظاهرين والمحتجين ضد حكومتها.

الحقيقة أن كلا الجانبين حسنا فعلا، فالشيخة حسينة باستقالتها منعت وقوع المزيد من الضحايا في أسوأ احتجاجات تشهدها بنغلاديش منذ تأسيسها سنة 1971، والجيش باستلامه السلطة سلميا وتأمين مغادرة زعيمة البلاد إلى الخارج وعدم قيامه بانقلاب عسكري سن سنة جديدة لم تعرف عنه من قبل (قاد الجيش منذ عام 1971 ثلاثة انقلابات ناجحة وحوالي عشرين تمردا فاشلا كان آخرها في عام 2012).

والأمر الآخر الإيجابي الذي يحسب للجيش أنه قرر إسناد قيادة البلاد مؤقتا إلى حكومة مدنية برئاسة النوبلي الموثوق به محليا وعالميا نصير الفقراء البروفسور محمد يونس الذي نشفق عليه من الوقوع في وحول السياسة، خصوصا أن التجارب تقول بأن السياسة في هذه البلاد مزيج من الفساد والمؤامرات والاغتيالات والمماحكات والانقلابات والاضطرابات، علما بأن يونس واجه مشاكل قانونية في عهد حسينة قيل أن وراءها دوافع سياسية.

إن التجارب المؤلمة التي مرت بها حسينة، ابتداء من اغتيال والدها المؤسس الشيخ مجيب الرحمن في أغسطس 1975 مع كل أفراد عائلته (باستثناء حسينة واجد وأختها ريحانة صديق اللتين كانتا خارج البلاد آنذاك)، وصولا إلى أكثر من 19 محاولة اغتيال فاشلة تعرضت لها على مر السنين، وقيام العسكر بسجنها مع غريمتها زعيمة الحزب الوطني خالدة ضياء في عام 2007 بتهمة الفساد، ساهم كله في تشكيل نهجها السياسي في الإمساك بالسلطة بقبضة حديدية والاقتصاص من معارضيها وكسر شوكتهم بإيداعهم السجن، ولا سيما خالدة ضياء (أرملة الرئيس الأسبق الجنرال ضياء الرحمن الذي قاد بنغلاديش من 1975 إلى تاريخ اغتياله سنة 1981) وذلك من أجل تأمين استقرار طويل للبلاد، على شاكلة ديكتاتوريات جنوب شرق آسيا.

وخلال حكمها منذ عام 2009 وحتى فوزها بنسبة 80% في انتخابات يناير 2024 التي قاطعتها أحزاب المعارضة، حققت حسينة لبلادها الكثير من الإنجازات المثيرة للإعجاب مثل انتشال الملايين من براثن الفقر، وتحويل البلاد إلى ثاني أكبر اقتصاد في جنوب آسيا بعد الهند بقيمة 460 مليار دولار (بحسب أرقام 2022)، واستئصال الأحزاب الإسلاموية المتطرفة من السياسة، وإخضاع الجيش وإخراجه من اللعبة السياسية على طريقة النموذج الهندي، وتوفير المأوى لأكثر مليون لاجئ من مسلمي ميانمار عام 2010، والانتقال بالبلاد من دولة تكافح من أجل الطعام إلى مصدرة للغذاء، وتوفير التعليم المجاني لنحو 98% من الفتيات، والبدء بنقل البلاد إلى التصنيع عالي التقنية وهو ما سمح للشركات العالمية كسامسونغ الكورية بإخراج سلاسل التوريد من الصين إلى بنغلاديش. هذا ناهيك عن تأسيسها لعلاقات خارجية متوازنة مع جارتي بنغلاديش الكبيرتين (الهند والصين) ومع الولايات المتحدة، بدليل نيلها على ثناء نادر من واشنطن وتمكنها من الحصول على قروض بقيمة 4.7 مليار دولار من صندوق النقد الدولي وأخرى من الهند بقيمة 7 مليارات دولار، علاوة على قرض من الصين كانت تتفاوض عليه بقيمة 5 مليار دولار.

على أن كل تلك الإنجازات ضاعت بسبب حزمها وسياساتها الحديدية، لتجد نفسها اليوم معزولة في الهند التي استقبلتها مؤقتا ريثما تقرر وجهتها القادمة. ولا يعرف على وجه التحديد ما تنوي القيام به مستقبلا. لكن كل المؤشرات تفيد بأنها ستعود إلى بنغلاديش، كما فعلت من قبل، لقيادة حزبها التاريخي (حزب رابطة عوامي) في الانتخابات القادمة التي يجب أن تجرى خلال 90 يوما طبقا للدستور. حيث إن إجراء مثل هذه الانتخابات التي وعد بها العسكر دون مشاركة «عوامي» يعتبر عملا معيبا ومؤججا للقلائل وغير ديمقراطي بسبب أنصارها الكثر. وفي حالة تقاعد حسينة عن العمل السياسي بسبب سئمها من الإذلال السياسي أو خوفا على حياتها، يتوقع أن يقود ابنها ووريثها السياسي «سجيب واجد جوي» الحزب على عادة السلالات الآسيوية. وقد سجل عن الأخير (عمل مستشارا لوالدته لتكنولوجيا المعلومات من 2009 إلى 2024، وهو يقيم الآن في الولايات المتحدة) قوله إنه لا طموحات سياسية لديه، لكن إذا فرضت عليه قيادة «عوامي» فسوف يستجيب، مضيفا: «أنا مقتنع بأنه إذا أجريت انتخابات حرة ونزيهة في بنغلاديش وكانت ساحة اللعب متكافئة، فإن عوامي ستفوز مجددا».

وفيما ينتظر العالم ما ستؤول إليه أوضاع هذا البلد الذي يواجه اليوم متاعب اقتصادية جراء أعمال عنف شلت البلاد لنحو شهر، والتي بسببها خفضت الوكالات العالمية المختصة تصنيفه الائتماني، نجد أن ثلاث دول تراقب تطورات الأوضاع فيه باهتمام شديد؛ الهند التي حرصت دوما أن تكون في دكا حكومة موالية لها، أو على الأقل غير حليفة لإسلام آباد، وباكستان التي لن تغفر للبنغلاديشيين تمردهم عليها وفصل جناحها الشرقي لتأسيس دولتهم المستقلة، والصين التي يشغلها إيجاد نفوذ دائم لها في بنغلاديش في مواجهة النفوذ الهندي. ولا ننسى في السياق ذاته الولايات المتحدة التي لن يسرها بالتأكيد وقوع هذه البلاد تحت النفوذ الصيني بسبب ما استثمرته فيها من أموال ضخمة.

نقلاً عن "الأيام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط