سلاح الفصائل في الضفة
"السلاح في الضفة الفلسطينية لن يحرر القدس لكنه قد يصنع منها غزة ثانية" هي صورة نراها اليوم أكثر وضوحاً، فمسألة الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للضفة لا توقفها مجموعة من البنادق وبعض المتفجرات البدائية، غير أنها ذريعة تعطي إسرائيل مزيداً من الاقتحامات للبلدات والمدن الفلسطينية، وتزيد من جانب آخر من استمرار تعطيل العملية السياسية إلى أجل غير مسمى، بحيث تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة أمام العالم أمام انتشار السلاح غير الشرعي، وهي الحجة الإسرائيلية الحاضرة دوماً أمام فكرة اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية، وهو ما تتحدث به أصوات كثيرة داخل إسرائيل اليوم، من أن الدول الفلسطينية ستبقى معلقة لعقود دون تغيير في الحال، مع استمرار في الاستيطان والتوسع وتضييق الخناق على السلطة حتى ترفع الراية البيضاء.
لأكثر من عشر سنوات، والشباب الفلسطيني في الضفة تحت وطأة خطاب إعلامي كثيف، تارة تحت مسمى الذهاب نحو الانتفاضة الثالثة، وتارة تحت مسمى ثورة السكاكين، والتي ابتلعت وقائعها أجساد كثيرين من الشباب والفتيات الفلسطينيات خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى دعوة خالد مشعل الأخيرة بالعودة إلى العمليات الانتحارية، كلها رسائل عبر وسائل متتالية، تدعو في خاتمتها إلى اسقاط السلطة الفلسطينية وفق نظرية غريبة ترتكز على خيالات مصنوعة في عالم افتراضي، يراد إدخالها إلى العالم التطبيقي في عملية محو وإحداث متغيرات هائلة على الأرض، للوصول إلى التغيير الحقيقي القادم في الدنيا المتخيلة، وبالتالي إن العلة تكمن في أصل الفكرة المتخيلة وارتكازها على دلالة سياسية غير موفقة لم تحدث في كافة ثورات الشعوب.
في الرؤية الافتراضية وفق ما يري أصحابها، تبدو عملية اسقاط السلطة مجرد حراك شبابي فوضوي يتحول لاحقاً إلى عملية منظمة نحو الهدف، وتبدو النتائج المٌتخيلة بالنسبة لهم بعد إسقاط السلطة هي بمثابة حدوث فراغ كبير في المنطقة، سوف تصبح فيه إسرائيل تحت وطأة أزمة شديدة، وبالتالي تندفع نحو تغطية المكان بالعودة لاحتلال الضفة، ما يعني أن المسؤولية الأمنية للضفة ستتحملها إسرائيل مرة ثانية، مع فارق كبير وهو وجود السلاح في الضفة، والذي سيجعل الواقع الإسرائيلي على المستوى الأمني صعباً للغاية، ثم تظهر في تلك المخيلة الأعباء الاقتصادية التي ستكون إسرائيل مسؤولة عنها مما سيجعل الاحتلال مكلفاً للغاية، وبالتالي ستخضع إسرائيل إلى شروط جديدة تفرضها القوى المسلحة على الأرض، ثم يكبر الخيال لديهم إلى ما هو أكبر من ذلك، من خلال اعتبار أن إسقاط السلطة يعني العودة بالأمور الى ما قبل اتفاق أوسلو، وفي المخيلة الأوسع ثمة فرضية ترى إمكانية استنهاض الجماهير والعودة بالأمور الى أجواء ما قبل عام 1967.
الإشكالية أن أصحاب هذه الفرضية وجدوا أنفسهم أنهم هم البديل الفعلي على الأرض، وهم من سيتحكمون بالمعادلة، وعلى الرغم مما حدث بعد السابع من أكتوبر إلاّ أن هذه الفرضية لم تخضع للتحديث في العقول، وبالتالي بقيت مسألة إدخال السلاح الى الضفة، والاستمرار في صناعة مجموعات متفرقة تركز في مجملها في المرحلة الأولى على الجانب الاستعراضي ثم الحضور الإعلامي، لكي تنال نوعاً من القبول الشعبي، مما سيجعل منها واقعاً قائماً على الأرض قبل الوصول إلى انهيار السلطة الفلسطينية في المستقبل، دون أن تكون هناك أي علامة، تشير إلى واقع المدنيين في المعادلة.
هنا فقط نشير إلى أن حماس وهي تتمدد في الضفة الآن، هي أصلاً لم تحفظ غزة كما يجب في فترة حكمها لها، فقد تجاوز عدد الذين غادروا غزة بلا عودة حتى عام 2022 أكثر من مئتي ألف إنسان نتيجة لظروف المعيشة، ناهيك عن عشرات الآلاف الذين غادروها لأسباب سياسية تتعلق بالانقسام، وغيرهم ممن غادروا غزة بطرق غير رسمية، منها عبر قوارب الهجرة نحو المجهول، يضاف إليهم أكثر من 100 ألف غادروها في أثناء الحرب الأخيرة، ما يترك سؤالاً مهماً، وهو ما الذي سينتج على المستوى الاجتماعي في الضفة في حال واصلت حماس وشركائها في ذات المسار، وذات التحضيرات لإحداث التغيير السياسي الذي يفترضون أن هو الذي سوف يغير المعادلة. فمسألة كيف ستكون الضفة؟
هي إشكالية أصلاً لم تطرحها حماس حتى اليوم بشأن معاناة أهالي غزة طوال الحرب الحالية، وبالتالي هي غائبة رؤيتها عن مستقبل الضفة ايضاً.
فمسألة الحسابات السياسية التي تخيلت النتيجة مسبقاً في الضفة من انهيار السلطة وإعادة الضفة تحت الاحتلال، تركت بدورها سير المخطط الزمني مفتوحاً، واستمرت بالعمل في مسألة السلاح غير الشرعي الذي لا يزال يتسلل إلى الضفة. فالصورة غير المعلنة، أن إنشاء المجموعات المسلحة في الضفة وتقويتها بحجة المقاومة، هي بمثابة عملية فرض الأمر الواقع على السلطة الفلسطينية على شاكلة غزة، عندما أسست حماس ما يسمى بالقوة التنفيذية، ثم تحولت الى القوة الانقلابية على الأرض، قبل أن تفصح الأيديولوجيا عن وجهها وتغلق مشهد التوافق الفلسطيني 17 عاماً بلا افق، ومما يزيد من الاندفاع إلى الضفة الفلسطينية، هو إحساس حركة حماس وشركائها من تعثر مستقبل الوجود الجغرافي في غزة، وبالتالي يمكن أن نفهم أن سبب السلاح غير الشرعي في الضفة هو محاولة للإمساك بالأرض، أمام الغياب المتوقع عن الجغرافيا في غزة، وهي المعادلة التي تخشى السلطة من الحديث فيها في عملية تبدو من وجهة نظر السلطة تمر عبر معادلات صعبة، فما حدث في غزة عام 2007، لا تريده السلطة الفلسطينية أن يتكرر في الضفة. وهو ما ترى فيه إسرائيل شراكة وتعاوناً من السلطة الفلسطينية ضدها، خصوصاً من خلال برامج الحماية التي طرحتها السلطة نحو المطلوبين لإسرائيل، حيث عملت مراكز السلطة الفلسطينية على حماية الكثير من المطلوبين لإسرائيل من خلال حمايتهم داخل هذه المراكز الأمنية وبالتالي منعت اعتقالهم أو تصفيتهم. فالسلطة الفلسطينية ليست في الموقف الذي تستطيع أن تمنع فيه ظاهرة السلاح، وهو ما كان ولا يزال مطلوباً من الفصائل الفلسطينية أن تدرك خطورة هذا السلاح على ملايين الفلسطينيين في الضفة، وأن مسألة الاستعراض بحمله لن تنتهي سوى بكارثة من جديد.
بالتالي، بعد كل ما حدث في غزة، من ينقذ الضفة الفلسطينية من سيل الاقتحامات المتواصلة والتي تجرف في طريقها البنية التحتية في كل مرة، ومن يحميها من أن تواجه مصير غزة، خصوصاً بعدما ذهب خالد مشعل الى المطالبة بعودة العمليات الانتحارية، وبعدما ذهبت حماس والجهاد إلى تحويل الضفة إلى قاعدة خلفية لانطلاق العمليات العسكرية والتي حملت عملية تل أبيب الأخيرة رسالة مهمة بهذا الخصوص، ولماذا على المدنيين أن يتحملوا كل تبعات التجارب السياسية لهذه الفصائل.