بهجة الحياة.. واستقلال القضاء

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

لا يمكن الكتابة عن القضاء في الكويت من دون التأكيد على حرص سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر في منح رعايته للقضاء الكويتي، وتحصينه والإسهام في علو نزاهته، وفي تأمين الاطمئنان الجماعي حول موضوعيته، وترسيخ احترام العدالة في أحكامه، وتعميق الإيمان بجدارة القضاة المؤتمنين على تعظيم سيف الحق وتلميع فاعليته، وتأكيد رسالته بأن المخطئ لن يفلت، وأن الحق محصن، وأن يقتنع المواطن وغيره بأن ذراع الحق طويلة، لن تذعن للنقد، ولا تهتز لتهديد، ولا تعبأ بالإغراء، وتعتز بأحكامها، وتتباهى بعلو العدالة وتعظيم سطوتها.

عظمة القضاء تتولد منها قناعة الشعب بنظامه، يتفاخر بعدالته، ويتباهى بنزاهته، التي ترفع الغيرة الوطنية، وتعمق الانتماء، وتزيد البهجة، ومنها تتعالى غريزة المفاخرة.

ومن سجلات القضاء الكويتي، التي دونها في هذه المرحلة، ما برز وبشكل فريد في نصوص أحكامه، التي شحنت شخصيات لها نفوذ، وكانت من أصحاب السلطة، إلى السجن، ظنت بأن مكانتها محصنة، ولم تترك سجلات القضاء طرفاً، مهما صغرت مساهمته العبثية، ينجو من العقاب.

وفوق ذلك، فقد أثبت القضاء الكويتي أنه واع وقادر على كشف الألاعيب، التي يتغطّى خلفها محترفو الخداع والحيل، وأن الاستخفاف بعظمة القضاء الكويتي لا يوفر للجاني موقعاً لا تمسه ذراع القانون.

ومن هذا الواقع المضيء تعلو الغيرة الوطنية، ويتسابق المواطنون في التضحية من أجل سلامة الوطن، ويفرز الاندفاع للحفاظ عليه، وقد كانت تجربة الغزو بارزة في تسجيل أعظم مثال كويتي تاريخي تجسّد في حجم الهمة الوطنية للتصدي للعدوان، والاندفاع للذود عن الوطن، وهزيمة الغزاة، وتحطيم أحلامهم.

وقد أثبت التاريخ، في تجاربه مع مسيرة الشعوب، أن الأمم تعلو مع قضاء نزيه، طاهر من التدخلات، وملتزم بالعدالة، ومناصر للحق، ونتصوّر حجم الدمار من قضاء تعبث به الحكومات، وترسم فيه خريطة لمصالحها، وتزيل منه حدة الأسنان، التي تخرج من العدالة، وهذا ما يحدث الآن في معظم بقاع العالم العربي، فمن دمّر قضاء بعض الدول العربية ونكل بشعبها وعاث فسادا وتحطيما لاستقرارها، إنها بعض الحكومات العربية، التي تفرض شرعيتها بالقوة، وتحمي حياتها بتوليد المصفقين ومنحهم امتيازات، وتكليفهم بالتجسس والتلصص على الخصوم، ولأن هذه النماذج غير شرعية، ويتسيدها الخوف، توجهت هذه الدول إلى بناء مراكز المخابرات والتجسس، وخلق البطانات من الأهل والشركاء، فلا عجب إذا استحضرت هذه الحقائق الفشل في إدارة الدولة، لأنها أبعدت الكفاءات أصحاب القدرة، ولاحقت عناصر الندرة، التي تتخوف منها الأنظمة العسكرية الدكتاتورية.

لم تأت هزائم العرب من شياطين مجهولة، وإنما تولدت من عجز بعض الحكومات في فنون الإدارة، فاندفعت تبحث عن نصر، فتاهت في تقديراتها وحساباتها، ودخلت في مغامرات غير محسوبة، واندفعت بلا مبررات نحو المواجهة، فكانت الحصيلة هزائم ودماراً وضياع أوطان وانكساراً للروح وفقدان الأمل.

سقطت أنظمة عربية بالتآمر الداخلي والخارجي بسبب الهزائم، واختفت عروش من أوروبا في القرون الماضية، لأنها لم تؤمّن العدل لمواطنيها، ولم يكن لها القضاء المستقل، المطعّم بالنزاهة، وفوق ذلك، فساد الحكم ليس فقط بسبب عدم الكفاءة، وإنما لغياب الشرعية الدستورية، التي تعبّر عن الخيار الشعبي الحر، فملوك يحكمون كما يرغبون، وبلا تفويض من شعوبهم، ورؤساء جهلة لا يملكون الكفاءات ولا الحكمة، ويقعون ضحايا نزعة المغامرة.

وتأتي الانتكاسات من احتكار القرار والانفراد بالسلطة، فقد جاءت حروب أوروبا في القرن الماضي من انعدام الأهلية للقيادات، حدث ذلك في الحرب العالمية الأولى من ضحالة إمبراطور ألمانيا، والحرب العالمية الثانية من فاشية هتلر، وانتصرت فيها الدول، التي كانت لها مؤسسات تصون شرعية الحكم، وتعبّر عن إرادته الشعبية، ولها تقليد في نظام الحكم يصد نزعة المغامرة.

يختزن التاريخ سجلاً كبيراً عن المخاطر، التي تأتي من غياب الاستقلال عن القضاء، وهي كثيرة وكبيرة في أضرارها، وأولها تطاول دور الفاسدين في المجتمع، وتزايد حجم الانشقاق الداخلي، وتصدع المجتمع وانقسامه، وضياع الشخصية الوطنية، وتدهور الهيبة، وسيطرت الظلم، وبروز الكراهية، وتصاعد المعارك الداخلية، ونراها في دول عربية ، كما يدوّن التاريخ روعة العقلانية المعتمدة على شرعية الخيار الشعبي، وخرجت شعوب صحية قوية، حققت الاستقلال للقضاء والابتعاد عن العبث في مساره، مع إدراكها لحجم الحصاد الايجابي، الذي يأتي من قضاء مستقل، وما يوفره هذا الاستقلال من حيوية شعبية تعمل بضمير وتنعم بالاستقرار، وتلتزم بالاعتراف بحق الكفاءات، وتؤمّن النجاح للقادرين، ويعود السبب الأكبر لهذا الواقع الراقي إلى الحرية التامة، التي يمارسها القضاة في أحكامهم، محصنين من تدخلات السلطة، لأن سطوة القانون فوق سطوة الحكام.

نحن نسير في حياتنا مستقرين، متأكدين من خلو أيامنا من الفزع من تدخلات السلطة، وتعود تلك الطمأنينة إلى الدور البارز للقضاء الكويتي، في تثبيت العدالة، وصون الحق، والاعتماد على الحقائق المجردة والصافية من الوشايات ومن المناوشات، ونعتز بحجم الحرص القيادي التقديري لحماية القضاء، وبهذا الوضع المتحضر، الذي تزينه عدالة القضاء، مع الاعتزاز بما تقوم به الهمة القضائية في تأكيد الأسس الصلبة للدولة، ومنها انفتحت أبواب كانت موصدة، أدت إلى الوصول إلى ملفات كانت مخفية، مكتظة بالفساد، ارتكبها من وثقت الدولة فيهم، لكنهم خانوا الأمانة واستسلموا لإغراء الثروة.

ومن المؤكد أن الكويت تتوهج بهذا المنحى، مع الاعتزاز بمناخ النزاهة، الذي استحضرته قيم العدالة، وعندما نستعرض حالة القضاء في العالم العربي وخارج حدوده، إلى العالم الثالث، وإلى أوروبا، نجدد الثناء لنضج القيادة الكويتية في حرصها على استثنائية القضاء من ارتباكات إدارة الدولة، وإصرارها على استقلال القضاء، الذي حمل الكويت إلى الصفوف الأولى في حجم احترام سلطتها لأحكام القضاء، وقبولها عبء التنفيذ.

ونقول إن هذا الواقع يظل الأهم في أعمدة الاستقرار والصلابة لدولة الكويت.

لم يخف التاريخ غلاظة بعض الحكام في دول عربية، الذين سجلوا حماقات وظلماً بليداً، وسعوا إلى تخويف الشعوب من احتمالات المواجهة، مرددين قسوة الأحكام من القضاة، ومن يدعمهم من خلفاء وحكام، فمن ينسى الحجاج وأحكامه على شعب العراق وخطبه المهددة، ولجوئه إلى أعنف المفردات تخويفاً لشعب العراق، كان ذلك في الماضي البعيد، وابتلي الشعب العراقي بعد مأساة سقوط الحكم الهاشمي بالقاضي «المهداوي» في تصديه لرجال العراق من عسكريين ومدنيين في محاكمات كوميدية. كما اشتهرت شخصيات عسكرية وسياسية أخرى في القاهرة غير مؤهلة لمحاكمة من أتت بهم الأقدار من رجالات مصر وآخرين، جرهم ظلم التاريخ إلى قسوة الأقدار وطيش السلطة آنذاك ، ونستذكر هذه الحقائق معتزين بما لدينا من قضاء شامخ.

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط