انقلاب نبيه بري واستعادة الثقة
كتب الأستاذ عبدالرحمن الراشد مقالة مهمة عن دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفي ما يلي التعليق عليها.
نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، من أيقونات السياسة اللبنانية والعربية، والنظر في مسيرته حافل بالعجائب.
يروي اَلان مينارغ في كتابه “أسرار حرب لبنان” أنه في زمن الحرب الأهلية، أرسل بري رسائل متوالية للرئيس أمين الجميل ولإسرائيل من أجل الاحتضان، لكنه قوبل بالإهمال، فوجدوه – بعد فترة – بين يدي الرئيس السوري حافظ الأسد.
ويروي في مذكراته الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، بطريرك الموارنة الراحل، أنه بعد اتفاق الطائف انقضّ بري على الوظائف العامة لتجييرها إلى محازبيه في حركة “أمل”، وأخذ حصة الشيعة وغير الشيعة، وكانت ذريعته للضغط على أقرانه من زعماء الطوائف ورجال الدولة، أنه بذلك يحمي الشيعة من الانجراف في الدوامة الإيرانية. وروّج بنجاح أن تعزيز الخط العربي شيعياً واجب مقدس على الدولة اللبنانية، وأنه مفتاح تنفيذ الواجب، ويقول صفير – ضمناً – رغم شعار عروبة الشيعة فقدنا الدولة وفقدنا الشيعة معاً.
وفي سياق الحرب الأهلية ستجد العجاب أيضاً، فالرجل الذي رفع راية مقاومة إسرائيل، سقى الفلسطينيين دماءهم في حرب المخيمات. وكانت هذه المجازر العبثية في سياق الرسائل الدموية الدائمة التي اعتاد حافظ الأسد “مداعبة” ياسر عرفات بها بين حين وآخر.
رسائل حافظ الأسد لم تتوقف ولم تهدأ، فتح بري حرباً ضروساً على “حزب الله”، الذي كان جنيناً في ذلك الوقت، شهدت الضاحية الجنوبية بعض فصولها، وشهد إقليم التفاح وعموم الجنوب والبقاع فصولاً أخرى. ولو أزحنا مفاعيل الثورة السورية جانباً، فإن قتلى حروب “أمل” – “حزب الله” يتجاوز عددهم عدد شهداء صراعهما مع إسرائيل، وتبرئة “حزب الله” – المنشق عن بري وحركة “أمل” – من تلك الحروب ليست في محلها، إذ اغتال من “أمل” كما اغتيل منه، وباغتهم كما باغتوه. وسياق تلك الصراعات أتى على مستويين، الأول هو تكريس حافظ الأسد لموقعه اللبناني مهيمناً فوق الجميع بمن فيهم حلفاؤه الإيرانيون. والمستوى الثاني كان ضغطاً على جمهور الشيعة ليستنجدوا بالجيش السوري كصمام استقرار وأمان بين الفصائل والميليشيات، خصوصاً أن الهوى العرفاتي في صفوف الشيعة آنذاك كان ملاحظاً وملموساً.
وشاهدنا في تفاصيل ذلك الزمن رسالة دموية أخرى لأهل بيروت، فبعدما احتلها حليفا حافظ الأسد، نبيه بري ووليد جنبلاط، اشتعلت المعارك بينهما من دون خطوط حمر، ليظهر حافظ الأسد كالملاك المنقذ لبيروت وأهلها.
وللإنصاف فإن الرئيس بري يتحلى بخصال تميّزه عن أقرانه في المشهد اللبناني، خفة الظل وسرعة البديهة، القدرة الهائلة على تدوير الزوايا بين الأضداد، تقديم المصلحة على الاعتقاد، سواء كانت المصلحة عامة تارة أم خاصة طوراً، فهو يمثل شخصية السياسي مرونةً وبراغماتيةً بصورة نموذجية إلى حد بعيد وفق المتاح.
أسس بري بعد صدور القرار 1559 في 2004 “لقاء عين التينة” الرافض للقرار، رداً على “لقاء البريستول” الداعي إلى تطبيقه وتحرير لبنان من الاحتلال السوري، لكن بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط 2005، تحرك الرئيس بري بحذر وذكاء شديدين، كانت أولى لحظاته الألمعية طرح موضوع اغتيال الحريري تحت قبة البرلمان في محاولة لامتصاص غضب الشارع. وأتت النتيجة على عكس الهوى السوري، فساهمت تلك الجلسة التاريخية في إسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي. وعلى إثر ذلك دار نقاش عن موعد انضمام بري إلى قوى 14 آذار. لكنه وجد مخرجاً ذكياً يكمن في ذريعة “عدم شق الصف الشيعي” التي وضعت لبنان لاحقاً ودائماً تحت وطأة الخوف من فتنة سنية – شيعية. وبعدها أدى دوراً مهماً في إسقاط أي مناقشة لقانون انتخابي جديد ما دفع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الى اعتماد قانون الألفين الذي كان موضوع حنق مسيحي.
وفي إطار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، التي تبلورت إثر التحالف الرباعي الذي خاصّ انتخابات 2005، “تيار المستقبل” وحركة “أمل” و”حزب الله” والحزب “التقدمي الاشتراكي”، اعتكف بري مع وزراء “حزب الله” مرتين، الأولى بذريعة تهميش الشيعة عن القرار السياسي، والثانية احتجاجاً على رغبة الحكومة في التضامن مع رئيسها يوم هاجمه بشار الأسد قائلاً: “عبد مأمور لعبد مأمور”، والاحتجاجان كان هدفهما الحقيقي ضرب التحقيق الدولي في اغتيال الحريري ثم تعطيل مشروع المحكمة الدولية. وقد ورد في تحقيق المحقق ديتليف ميليس، أن سياسياً لبنانياً رفيعاً، سمّاه ميليس “مستر إكس”، قال في اتصال هاتفي إن المطلوب هو اغتيال رفيق الحريري سياسياً من بوابة الملف الاقتصادي، خصوصاً عبر مسألة الدين العام وشركة “سوليدير”. وروّج بعض الأوساط أن “مستر إكس” هو بري، لكنه نفى ذلك فوراً بأسلوب قاطع وحازم.
وقعت حرب تموز التي افتعلها الحزب الإلهي في وجه إسرائيل. أعلن السيد حسن نصر الله على رؤوس الأشهاد أن بري هو الممثل السياسي للحزب في المفاوضات الدولية. لكن وثائق ويكيليكس فاجأت المتابعين بتقديم مشهد فريد، إذ قال بري ضاحكاً للسفير الأميركي حينها جيفري فيلتمان: “إن الضربات الإسرائيلية على حزب الله مثل العسل، قليله مفيد، لكن الإكثار منه ضار”، وهو ما عززته أحاديث نواب حركة “أمل” ووزرائها لمسؤولين دوليين. قال الوزير محمد جواد خليفة نصاً إن “حزب الله سيحوّل حياتنا إلى جحيم كلما ازدادت شعبيته”. وأشار إلى أن إيران تفرض رقابة صارمة ودقيقة على الحزب. وأضاف أن “حزب الله” يقول ﻷنصاره بأنه انتصر في حرب تموز لكن الأنصار لا يرون إلا الأنقاض، ومقاتلو الحزب مستاؤون لخسارتهم حرية الحركة في الجنوب بعد انتشار “اليونيفيل” والجيش اللبناني، وأكمل النائب علي عسيران “حزب الله يطيع رعاته الإيرانيين بإخلاص”.
تشير هذه المقاطع بوضوح إلى العلاقة المعقدة بين بري و”حزب الله”، هناك كراهية طاغية بين الطرفين لكن المصالح فوق الجميع. نبيه بري محاصر بالخوف من سلاح “حزب الله” داخلاً، وفي الوقت نفسه يغريه تعاظم المجال الشيعي لبنانياً وإقليمياً. وفي المقابل فإن الحزب في حاجة ماسة إلى بري، فضلاً عن قدراته السياسية الظاهرة والحاسمة، فهو يستطيع مقابلة من يعجز الحزب عن مقابلتهم، ويستطيع كذلك قول ما يعجز الحزب عن قوله، والأهم أن تكبيل بري بالتحالف يمنع قيام حالة شيعية حقيقية ضد الحزب الإلهي. فهذا الاحتمال لا يكون جديا إلا مع بري، وللأسف لم يجرب بري القيام بهذا الدور لأنه لا يريد ذلك أو يخافه، وفي إطار هذه الدائرة المعقدة بالتناقضات ظهر تصريحان لافتان لبري بعد حرب تموز، الأول وصف فيه حكومة السنيورة بحكومة المقاومة، والثاني أطلقه بعد أيام من زيارته إلى إيران، إذ وصف الحكومة نفسها بالحكومة البَتراء، مع أن بري يعلم جيداً أن السنيورة عمل بكل جد وإخلاص من أجل حفظ لبنان وطناً ودولة وكان على تنسيق أمين ودائم معه طوال الحرب وصولاً إلى صدور القرار 1701 ووقف إطلاق النار.
لم يتحمل بري السنيورة رئيساً للحكومة بسبب تمسك الأخير بصلاحياته وبمنطق الدولة وضبط المالية العامة، وشنع عليه كذبة اختلاس أو سرقة الحكومة 11 مليار دولار، في ظل إشادة المؤسسات الدولية كافة – والدول المانحة – بكفاءة السنيورة ونزاهته، والطريف أن وزراء المالية التايعين لبري نفوا هذه الفرية بلا قصد في تقارير رسمية.
علاقة بري بـ”حزب الله” تشبه إلى حد كبير علاقته بسوريا الأسد أباً وإبناً، أي أنها علاقة فرضتها المصلحة حتماً ودائماً. ورغم قسوة حافظ الأسد إلا أن بري وجد فيه مرجعاً مفيداً ورشيداً. وكانت المعادلة التي تحكم العلاقة بين الطرفين دقيقة وواضحة ومعقولة رغم صرامتها الخانقة، إلا أن انتقال السلطة إلى بشار الأسد جعل المعادلة خالية من الوضوح مع استمرار الصرامة، وهنا نتذكر مشهدين، الأول بعد بيان المطارنة الشهير في 20 سبتمبر/ أيلول الذي نادى بانسحاب سوري من لبنان. ذهب بري إلى البطريرك صفير الذي اشترط لاستقبال بري عدم تعرض السوريين لمؤيدي البيان لبنانياً، وليد جنبلاط وعمر كرامي الذي انقلب لاحقاً على موقفه. وهذا ما كان. ذهب بري إلى صفير قائلاً: “لا داعي للتصعيد، لقد أخذت وعداً من بشار الأسد بإعادة انتشار قواته”. تقبل البطريرك الرسالة وصرح بمضمونها مع بري للإعلام، لكنهما فوجئا بهجوم شرس من بشار، عبر أتباعه، يتبرأ من كل وعد.
والمشهد الثاني حصل خلال حصار “حزب الله” لحكومة السنيورة بعد حرب تموز، ذهب نبيه بري إلى العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز حاملاً طلباً واحداً “أرجوك انقذ لبنان واستقبل بشار الأسد، إنه يهددنا بتخريب البلد”. لم يحظ الأسد باستقبال الرياض، وتوالت الأحداث منجبة أحداث أيار سنة 2008 يوم احتل الحزب الإلهي بيروت وروّع الجبل، والمفاجأة هنا أن بري كان مشاركاً أساسياً في تلك الأحداث المخزية.
من خلال ما سبق، نلمس أنه رغم ارتباطات بري الإيرانية – السورية، مازالت الهوية اللبنانية من مكوّناته، لكنها مكوّن لم تظهر نتائجه بعد باستثناء رفضه التاريخي لإشراك حركة “أمل” في قتل السوريين بعد اندلاع الثورة السورية، وهذا المكوّن تميز به بري أمام خصوم الحزب الإلهي كـ”حزب الله لايت” أحياناً، وكابح لغلواء “حزب الله” أحياناً أخرى، ويستريح له غير فريق لبناني لحرصه الدائم على القيام بدور الحارس المقدس للتركيبة اللبنانية التي تجمع بين الإقطاع والطائفية، وهذا ما يفسر تأييده الدائم لترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية وكراهيته الأبدية لميشال عون، لكن مفاجآت بري لا تنتهي، فبعد اتفاق الطائف كان أكثر سياسي طالب بإلغاء الطائفية السياسية.
انتهت حرب تموز، وشارك بري “حزب الله” في مقاطعة حكومة السنيورة وحصارها. وقبل أحداث أيار ورد اسمه في ثلاث مبادرات، الأولى هي طاولة الحوار الوطني التي التفت على مؤسسات الدولة وعلى الأغلبية النيابية من دون نتائج فعالة في واقع اللبنانيين. والثانية أعلنها هو بنفسه في أحد الاحتفالات بذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، إذ اقترح التنازل عن مطلب حكومة الوحدة الوطنية المقيدة بالثلث الضامن والمعطل في مقابل رئيس توافقي. ولم تردّ 14 آذار بقبول واضح، لكنها حين طرحت ميشال سليمان رئيساً توافقياً نسيت قوى 8 آذار قبل غيرها مبادرة بري. والثالثة هندسها مع السفير السعودي في ذلك الوقت د.عبدالعزيز خوجة، وهي اللبنة الأولى لاتفاق الدوحة. توصل الصديقان إلى أن لبنان بحاجة إلى اتفاق مرحلي يخرجه من الأزمة ويعيده إلى اتفاق الطائف. وهنا بزغت فكرة “مؤتمر الرياض”. هدف المؤتمر إلى تحقيق الإجماع على المحكمة الدولية، إقرار قانون انتخابي نيابي جديد ودائم، ثم التوافق على رئيس جمهورية ووضع قواعد ثابتة وواضحة لتشكيل الحكومات. وضع الصديقان تفاصيل كل بند في المؤتمر وحلوله المقبولة من كل الأطراف، لكن رفض المبادرة جاء من “تيار المستقبل” الذي رأي فيها إخلالاً باتفاق الطائف.
سقطت كل هذه المبادرات، واندلعت أحداث 7 أيار 2008 بعدما اكتشفت الحكومة اللبنانية شبكة اتصالات سلكية غير شرعية مملوكة ل”حزب الله”. واكتشفت أيضاً كاميرات زرعها الحزب في حرم المطار فسّرت أكثر من جريمة اغتيال وقعت بعد وصول الضحية إلى بيروت مباشرة، مثل صاحب “النهار” جبران تويني. واتخذت الحكومة قرارها ووضعت الشبكة في عهدة الجيش وأقالت قائد جهاز أمن المطار، فقام الحزب بإرهاب البلد بالتشارك مع الحزب “السوري القومي” وحركة “أمل”.
انعقد اتفاق الدوحة وجاء ميشال سليمان رئيساً. وأجريت الانتخابات النيابية التي كانت نتيجتها فوزاً كاسحاً لقوى 14 آذار. وشكّل سعد الحريري حكومة وحدة وطنية موعوداً من قوى 8 آذار بعدم إسقاطها، لكنهم لم يلتزموا بتعهداتهم، وأسقطوا الحكومة الحريرية خلال زيارة رئيسها للرئيس الأميركي باراك أوباما. وكان بري، كالعادة أيضاً، شريكاً في ذلك.
وكما أدى بري دوراً واضحاً في إسقاط الحكومة الحريرية، أدى دوراً بارزاً في تشكيل حكومة نجيب ميقاتي الثانية بتذليل العقبات أمامها (فكانت حكومة نادرة إذ كان فيها عدد الوزراء السنة أكثر من الوزراء الشيعة) ثم إسقاطها في وقت لاحق. وتكرر دوره في تيسير حكومة تمام سلام وتسييرها.
بعدما أجرت حكومة تمام سلام الانتخابات البلدية، أخرج بري من جرابه الذي لا ينضب مبادرة لحلحلة الفراغ بعد انتهاء عهد ميشال سليمان، ونصت المبادرة على عقد مؤتمر لبناني على غرار مؤتمر الدوحة، ولكن في بيروت هذه المرة، على أن ينتج انتخابات نيابية تسبق الانتخابات الرئاسية، وفي حال تعذر الاتفاق على قانون جديد يتم اللجوء إلى قانون الستين الأكثري الذي قامت عليه انتخابات 2009، وتلتزم الكتل النيابية بانتخاب رئيس للجمهورية بعد انتخاب رئيس مجلس النواب وهيئة المجلس، ويحدد المؤتمر شكل الحكومة. وهي مبادرة تحت سقف الدستور نوعاً ما لكن قوى 14 آذار لم تتعامل معها بإيجابية بسبب انعدام الثقة ببري وقوى 8 آذار، وأتت هذه المبادرة بعد مبادرات عدة، منها اقتراح بطريرك الموارنة بشارة الراعي ترئيس ميشال عون سنتين. وقبلها مبادرة سعد الحريري بتأييد انتخاب سليمان فرنجية.كل ذلك أصبح من التاريخ، وأعلنت “القوات اللبنانية” تأييدها لترشيح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، ثم لحقها الرئيس سعد الحريري.
في عهد ميشال عون، أدى نبيه بري دور المعارضة المكتومة التي لا تتعدى المناكفات الإعلامية، ومن ذلك، أزمة مرسوم ترقية الضباط، إذ رأى رئيس الجمهورية أن لا حاجة الى توقيع وزير المالية على المرسوم، بينما رأى رئيس مجلس النواب وجوب توقيع الوزير بجوار توقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وكان رأي بري هو الصواب بعينه؛ لأن موقفه مسلح بالدستور وبخبراء القانون وبالمراسيم السابقة المشابهة. نعى رئيس مجلس النواب اتفاق الطائف الذي انتهكه رئيس الجمهورية، وهو يلمح في ذلك إلى موقف عون السلبي من الاتفاق أثناء الحرب الأهلية قديماً وقبيل انتخابه لرئاسة الجمهورية، ولم يكذب الجمهور العوني تلميحات بري، فأطلق حملة في مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بتعديل الطائف.
قد يبدو من هذا الموقف أن بري هو حارس الطائف الاول والأخير، وقد يبدو هذا صحيحاً من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية، كانت الحقيقة في مكان آخر.
حين تشكلت حكومة الرئيس تمام سلام، وفي إطار تذليل العقبات أمام قيامها، اقترح بري مداورة الحقائب الوزارية سياسياً وطائفياً، وبناء على اقتراحه، حصل بري على وزارة المال، ولكنه بعد ذلك، اعتبرها حقاً مكتسباً للشيعة، بذريعة أن قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان للموارنة، ووظائف أخرى للسنة، لكنه نسي أن كل تلك الوظائف خارج مجلس الوزراء.
حصل بري على وزارة المال فسقط لبنان في انهيار 2019 المالي والسياسي وما تلاه بحكم أداء وزرائه في الوزارة منذ 2013، فضلاً عن اتخاذ هذه الوزارة كسوط وصاية على رئيس الجمهورية ثم رئيس الحكومة ثم بقية الوزراء ومؤسسات الدولة. في 2017 أجرى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان تشكيلات أمنية وفق معيار الكفاءة، لم ترُق هذه التشكيلات لرئيس مجلس النواب بري فأوعز إلى وزير المال علي حسن خليل بإيقاف المخصصات السرية لقوى الأمن الداخلي نحو 8 أشهر إلى أن تمت إقالة العقيد علي سكينة من منصبه كقائد لمنطقة الشمال في وحدة الدرك. أي أن انتظام الدولة إن لم يعطله رئيس الجمهورية المنتمي الى 8 آذار أو الثلث المعطل في الحكومة تكفلت وزارة المال بتعطيله، وحصل ذلك في أكثر من ملف، وليس خافياً على أحد، أن استمرار وزارة المال بيد بري سيكون من عوائق نهوض لبنان مالياً واقتصادياً، بسبب سوء التصرف وعدم ثقة المانحين الإقليميين والدوليين به وبرجاله. يروي الفضل شلق في كتابه “تجربتي مع رفيق الحريري” – وهو أقرب إلى قوى 8 آذار – أنه في ظل الحملة الكيدية التي أطلقها إميل لحود وسليم الحص ضد رجال الحريري، أرسل الحريري الأب إلى رجاله المستهدفين طالباً منهم عدم الإشارة في التحقيقات إلى رجال نبيه بري والمسؤولين الحقيقيين عن الفساد في تلك القضايا.
اندلعت في عهد عون ثورة تشرين، تعامل حرس بري بقسوة مع المتظاهرين السلميين سواء في محيط مجلس النواب أو في محيط منزل رئيس المجلس في عين التينة، وقد نجح ذلك في ترهيب الثوار فحيّدوه من الهجوم المباشر، وركزوا على الساسة السنة والمسيحيين.
هندس بري، في أكبر فضيحة سياسية في مسيرته، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، والتي قضمت حق لبنان في مساحة جغرافية كبيرة ضمنتها لها اتفاقية 17 أيار في عهد الرئيس أمين الجميل، الاتفاقية التي حاربها بري وقتها واعتبر أنها قد ولدت ميتة!
وقع انفجار المرفأ في بيروت، وكان أكبر انفجار غير نووي في التاريخ، وساهم بري بالتكافل والتعاضد مع “حزب الله” في تعطيل التحقيق وكشف الجناة، خصوصاً مع ورود أسماء مقربين إليه في التحقيق، كالوزير علي حسن خليل والوزير غازي زعيتر.
انتهى عهد عون بالفراغ الثالث بعد فراغ إميل لحود وفراغ ميشال سليمان، وكل هذه الفراغات يتحملها الثنائي الشيعي (“أمل” – “حزب الله”)، دخل بري في رهانات خاطئة، منها أن السعودية ستضغط على حلفائها للقبول بسليمان فرنجية، وهذا لم يحصل.
تصرفت القوى السيادية والمعارضة بمسؤولية، رشحت النائب ميشال معوض لرئاسة الجمهورية، وحين أيقنت باستحالة قبوله، تقاطعت مع غيرها على ترشيح الوزير الأسبق جهاد ازعور، عقدت جلسة الانتخابات وحقق أزعور في الدورة الاولى 59 صوتاً – وهو رقم غير مسبوق في تاريخ لبنان – ليشارك نواب “أمل” مع حلفائهم في الانسحاب من الجلسة لإبطال النصاب في انقلاب صارخ على العملية الديموقراطية، وانقلاب متجدد على اتفاق الطائف بعد بدع الحوار الوطني والثلث المعدل واحتكار وزارة المال، وقبل كل ذلك إغلاق البرلمان في حال خسارة الأغلبية النيابية. شوّه “حزب الله” سمعة أزعور وشارك بري بالصمت، على الرغم من أنه يعلم تمسك أزعور بالعروبة وبالاعتدال.
ولم تتوقف مبادرات بري المناقضة للدستور، كاشتراط الحوار لانتخاب رئيس، بينما يستطيع أن يوفد نوابه إلى الزعماء اللبنانيين للتشاور. لكن الأغرب من ذلك، هو تمسكه بترشيح فرنجية لرئاسة الجمهورية رغم الرفض المسيحي القاطع، وقد يكون هذا مفهوماً صدوره من “حزب الله” كميليشيا إيرانية في لبنان، لكنه ليس مفهوماً من بري، والأسوأ من ذلك، هو التذاكي في الترشيح، الذي لم يرتبط بتنازلات سياسية حقيقية لا لخصوم الثنائي ولا لرعاة لبنان الإقليميين والدوليين.
أدخلت ميليشيا “حزب الله” لبنان في حرب غزة، ربما وفق أمر إيراني، وربما بسبب سوء تقدير للذات وللعدو وللظرفين الإقليمي والدولي، وجاء اغتيال الأمين العام حسن نصر الله كلحظة فاصلة للشيعية السياسية التي لم تقدم للبنان أي إنجاز أو مكسب، حاول بري تخفيف الخسائر بإعلان مباشر وغير مباشر مفاده، عدم اشتراط وقف إطلاق النار لانتخاب رئيس، وعدم اشتراط ترشيح سليمان فرنجية للانتخاب، وكذلك عدم اشتراط الحوار، لكنه على ما يبدو تعرض لضغوط إيرانية أفسدت الأجواء الإيجابية التي تلت الاغتيال.
بالعودة إلى مقالة عبدالرحمن الراشد إلى صحيفة “الشرق الأوسط”، ومن خلال هذا السرد لخلفيات بري ومحركاته، مع التأكيد على أهميته السياسية في هذه المرحلة والرهان على إيمانه بلبنان، وجبت الإشارة إلى أن بري كان شريكاً في انهيار لبنان والانقلاب على الدستور وإضعاف رئاسة الحكومة التي ثبت أنه لا نهوض للبنان إلا بها، ولا شك في أنه وسطي على صعيد النوايا، لكنه من صقور قوى 8 آذار عملياً وفعلياً، مع التنبيه إلى أننا أمام ظرف استثنائي، إذ لأول مرة سنرى بري في ظل ضعف الحزب الإلهي، مع أنه لم يصدق ذلك إلى الاَن.
على الأرجح لن يتحقق وقف إطلاق النار في ظل الفراغ الشامل الذي ابتلع الدولة في لبنان، لكن مشكلة لبنان ليست الحرب فحسب وتداعياتها، بل إن سلوك الشيعية السياسية هو السبب الرئيس في وصول لبنان إلى هذا القاع، وبالتالي فنهوضه يستلزم العودة إلى اتفاق الطائف بلا بدع ولا أعراف، وتطبيق القرارات الدولية 1701 و 1559 وفصل مسار لبنان عن مسار غزة بوقف إطلاق النار، وانتخاب رئيس جمهورية وفق مبادرة وليد جنبلاط الرئاسية بلا تعطيل ولا تعديل دستوري، وتشكيل حكومة برئاسة شخصية وازنة تقوم بالإصلاحات السياسية والمالية والاقتصادية والأمنية، وأن تكون مكونات الدولة الجديدة ذات صبغة سيادية واضحة لإنقاذ لبنان وخرق عزلته، وبالإضافة إلى ذلك تغير سلوك الشيعية السياسية، لا أحد يريد اضطهاد الشيعة ولا أحد يطيق تسلطهم، لقد جرب لبنان المارونية السياسية والسنية السياسية والشيعية السياسية، وآن أوان تجريب الوطنية السياسية أو اللبنانية السياسية التي ضمنها اتفاق الطائف، وهذا هو دور بري المنتظر استناداً إلى مكانته التاريخية والرمزية، قيادة عبور الشيعة الى خانة الطائفة الطبيعية التي تخسر وتفشل كما تنجح وتكسب من دون أن تعني الخسارة نهاية العالم.
سيسمع المجتمع الدولي – بما في ذلك الدول العربية – كلاماً طيباً جداً من بري، والمأمول أن يتخلى عن التذاكي ومحاولة تحقيق المكاسب والمساومة في هذا الظرف القاسي، ولعل الأنسب للتفاوض مع بري حول المرحلة المقبلة هو رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الأحرص على الدستور وعلى الاعتدال والأخبر بمناورات بري ودهائه.
إن أزمات لبنان المتفاقمة والمعقدة، لا يمكن حلها من دون رعايتين دولية وإقليمية، واستمرار الأوضاع كما كانت عليه قبل الحرب لن تكون نتيجته سوى زوال لبنان، والكرة في ملعب الرئيس بري، لكنّ نياته الحسنة ليست كافية، فالمنتظر أفعاله، وليس مطلوباً منه الانقلاب على “حزب الله”، فخيارات الحزب الفاشلة وحساباته الخاطئة كفيلة بإضعافه وإنهائه، المطلوب باختصار هو أن ينقلب نبيه بري على نبيه بري.
*نقلاً عن "غراند"