الاستثمار في المملكة: ما بعد رؤية 2030 – الدروس المستفادة (2\3)

عدنان الشرقي
عدنان الشرقي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

بشكل عام، يمكن القول بأن رؤية 2030 التي أتاحت فرصة قيمة لاستكشاف آفاق جديدة للاقتصاد السعودي، وحققت إنجازات نوعية عديدة لمسها المواطن والمقيم وكذلك الأوساط الاستثمارية العالمية، وجعلت المملكة محط أنظار العالم -كما أوضحت في المقال الأول من هذه السلسلة- قدمت أيضًا دروسًا مهمة يمكن الاستفادة منها في المراحل المستقبلية. ولعل من أبرز الدروس المستفادة من هذه التجربة الرائدة:

أهمية التخطيط الاستراتيجي والرؤية المستقبلية: أثبتت تجربة رؤية 2030 الدور الحيوي للتخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد في تحقيق أهداف واضحة ومستدامة؛ فقد قدمت الرؤية خارطة طريق شاملة، استهدفت توجيه الاستثمارات والمشاريع نحو مسارات محددة تسهم في تنويع الاقتصاد وتعزيز الابتكار، مع التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري. لم يكن هذا التخطيط مجرد وضع أهداف، بل شمل تصميم برامج واضحة وإجراءات تنفيذية دقيقة؛ مما أتاح قياس التقدم بشكل دوري وتحديد مجالات التحسين.

من المبادرات الرئيسية التي دعمت هذا التوجه الاستراتيجي، جهاز "أداء" الذي يلعب دورًا حاسمًا في مراقبة وتقييم أداء الأجهزة الحكومية وبرامج الرؤية. أنشئ جهاز "أداء" كأداة مبتكرة لقياس فاعلية الأداء وتحقيق الشفافية؛ حيث يقوم الجهاز بتقييم أداء المشاريع الحكومية من خلال مؤشرات دقيقة ترصد مدى التقدم، وتساعد الجهات الحكومية على تحديد العقبات والعمل على تحسين الأداء. ويعد "أداء" أداة مهمة في ضمان التزام الجهات الحكومية بأهداف الرؤية وضبط جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين.

كما تعزز الرؤية من خلال الاستثمار في القيادات الشابة وإشراكهم في مناصب حيوية ضمن القطاعَين العام والخاص؛ بناء جيل جديد قادر على التكيف والإبداع وضمان تجديد الدماء القيادية. هذا الاستثمار في الشباب، بجانب الاعتماد على جهاز "أداء" لمتابعة الأداء الحكومي، يمثل نموذجًا متكاملًا للتخطيط الاستراتيجي الفعَّال؛ ويساهم في بناء اقتصاد قوي ومستدام يتسم بالشفافية والاستجابة السريعة للتحديات.

فاعلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص: أثبتت رؤية 2030 أهمية التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص في تحقيق النمو المستدام وتعزيز الاقتصاد الوطني. وتمت صياغة هذه الشراكة من خلال تطوير البيئة التنظيمية، وإطلاق حوافز استثمارية جذابة؛ مما أدى إلى تنفيذ مشاريع كبرى بتمويل مشترك. كما أنه ولتعزيز هذه الشراكات، تم تأسيس المركز الوطني للتخصيص، الذي يهدف إلى نقل بعض الخدمات والمشاريع الحكومية إلى القطاع الخاص؛ بهدف زيادة كفاءة التشغيل وتخفيف الأعباء المالية عن الحكومة، مما يعزز من فرص الاستثمار، ويسمح للقطاع الخاص بتولي مسؤوليات استراتيجية في القطاعات الحيوية، مثل الصحة والتعليم والنقل. بفضل هذا المركز، تم توفير فرص استثمارية جديدة للشركات المحلية والأجنبية، وتسهيل الوصول إلى مصادر تمويل إضافية؛ مما يدعم تحقيق الأهداف الاقتصادية المستدامة للمملكة.

أثر الإصلاحات التشريعية في تعزيز جاذبية الاستثمار: سلطت رؤية 2030 الضوء على دور الإصلاحات التشريعية في تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات؛ حيث تجاوز عدد الإصلاحات التي تم إجراؤها 800 تعديل، شملت تحديث الأنظمة وتسهيل إجراءات التأسيس والتراخيص وتحديث وتطوير نظام الشركات والاستثمار والإفلاس وغيرها من الأنظمة. هذه الإصلاحات قدمت بيئة أعمال أكثر جاذبيةً وشفافيةً، وأتاحت للمستثمرين الاستفادة من إطار تنظيمي يدعم استثماراتهم على نحو فعَّال ومستدام.

كما أنشأت المملكة "المركز الوطني للتنافسية"، الذي يسهم في تحسين ترتيب المملكة في المؤشرات العالمية، ويعمل على تعزيز بيئة الأعمال. يتولى المركز مهمة متابعة وتطوير السياسات والإجراءات الاقتصادية، وتذليل العقبات التي تواجه المستثمرين، مع تركيزه على رفع تنافسية المملكة إقليميًّا وعالميًّا. وجود هذا المركز يعكس التزام المملكة بتحقيق بيئة استثمارية ديناميكية تعزز من جذب رؤوس الأموال، وتدعم رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد.

أهمية التنويع الاقتصادي والحرص على إشراك فئات أكثر لتحقيق المرونة والاستدامة: أسهمت رؤية 2030 في تقليل الاعتماد على النفط من خلال تنمية قطاعات جديدة، مثل السياحة، والترفيه، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة. وقد أثبت هذا التنويع قدرته على تعزيز مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة التحديات، وهو ما يؤكد ضرورة دعم القطاعات الناشئة بشكل عام كركيزة أساسية لمستقبل اقتصادي مستدام، كما يعد البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري واحدًا من أهم المبادرات التي ساعدت في إشراك فئة كبيرة من قطاع الأعمال في التنمية الوطنية والاستفادة من القدرات التجارية والاستثمارية للفئة المستهدفة بالبرنامج، كما تُعتبَر زيادة إشراك المرأة في سوق القوى العاملة من الدروس الحيوية المستفادة من رؤية 2030؛ حيث ساهم ذلك بشكل كبير في زيادة الإنتاجية وتعزيز التنوع في بيئة العمل؛ مما زاد من جاذبية وفاعلية القوى العاملة في المملكة.

الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا: أبرزت رؤية 2030 أهمية الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار؛ حيث شكل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية للمملكة دورًا أساسيًّا في تحسين كفاءة الاقتصاد وتحقيق الريادة العالمية. ويؤكد هذا الدرس أهمية تعزيز البنية التحتية الرقمية والابتكارية؛ لضمان قدرة المملكة على مواكبة التطورات العالمية، ولا أدل من ذلك ما أثبتته المملكة أثناء تعاملها مع جائحة كورونا قدرتها العالمية والتقنية في إدارة الأزمات والسيطرة على الجوائح والأزمات.

الإدارة المتكاملة للمشاريع والبرامج والتناغم بين القطاعات الحكومية: أبرزت رؤية 2030 أهمية الإدارة الاستراتيجية للمشاريع والبرامج؛ حيث تم تأسيس مكتب إدارة الاستراتيجية كجزء أساسي من البنية التنظيمية للرؤية؛ لضمان توافق وتكامل جهود التنفيذ ومتابعة الأداء بدقة. عمل المكتب على الإشراف على برامج تحقيق الرؤية، والتنسيق مع الجهات ذات الصلة؛ مما أسهم في تقديم تقارير دقيقة عن الإنجاز ومتابعة التحديات لحلها بشكل استباقي، كما لعب دورًا محوريًّا في تحقيق المواءمة بين مختلف برامج الرؤية؛ مما يضمن استمرارية الجهود وفق أهداف موحدة.

بجانب ذلك، جاء تأسيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ومجلس الشؤون السياسية والأمنية قبل إطلاق الرؤية ليؤسس قاعدة تنظيمية قوية تدعم نجاح المشاريع الاستراتيجية؛ حيث ساعدت هذه المجالس في خلق بنية حوكمة متكاملة، تضمن توافق السياسات الاقتصادية والسياسية مع أهداف الرؤية، وتسهم في توحيد القرارات الحكومية والتوجيهات الاستراتيجية بشكل يدعم تحقيق التقدم المنشود.

إضافةً إلى هذا، لعب التنسيق المكثف بين مختلف القطاعات الحكومية من خلال اللجان المنبثقة عن المنظومات التشريعية والتنفيذية، دورًا محوريًّا في تحقيق أهداف الرؤية بتكامل؛ حيث تم تشكيل لجان مختصة تضمن تضافر الجهود وتسهيل التواصل بين الجهات المختلفة؛ مما يعزز سرعة وكفاءة تنفيذ المشاريع الوطنية.

على هذا النحو، ترشدنا هذه الدروس المستفادة إلى ما ينبغي أخذه في الاعتبار للمرحلة المقبلة لما بعد تحقيق الرؤية كاملةً بحلول عام 2030، وهو ما سنتحدث عنه بمزيد من الشرح والتفصيل في المقال المقبل، الثالث والأخير ضمن هذه السلسلة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.