عقيدة ترامب.. عن الفرص والتحديات

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

منذ الفوز الساحق الذي حقّقه المرشّح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسيّة الأميركية الأخيرة، والجميع داخل الولايات المتحدة وخارجها يتساءل عن الفكر السياسي، ذاك الذي سيحكم إدارة الرجل مرّةً ثانية، وهل هو عينه ترامب كما كان في الولاية السابقة، أم ربّما نشهد رئيسًا مغايرًا بفكرٍ سياسيّ مختلف.

أهمية التساؤل المتقدّم تنبع في واقع الأمر من أنّه وحتّى الساعة لا توجد دولة أخرى تضاهي الولايات المتحدة في عدد تحالفاتها وشراكاتها، أو في قدرتها على التأثير على الآخرين من خلال سياساتها الاقتصادية والعسكرية، بل إنها في وقت معين من تاريخها، قدّمت مثال "المدينة فوق جبل"، القادرة على تقديم رؤية مثاليّة لأفضل نوع من المجتمعات الإنسانيّة المعاصرة، كما شجّعت الآخرين على محاكاته، ومن هنا نشأ تعبير "الحلم الأميركي".

فاز ترامب بأغلبيّة كاسحة، وينتظر الجمهوريّون غالبية في الكونغرس، بعد أن حقّقوا أغلبية في مجلس الشيوخ ولم يتبقَّ لهم سوى بضعة مقاعد في مجلس النوّاب، لتظلّل الولايات المتحدة سحابة حمراء.

هنا وفي هذا السياق سيكون الحديث عن MAGA "ماغا"، تلك العقيدة الترامبيّة التي لم ينفكّ يرفع شعارها، وينادي بها في الحلّ والترحال، أي جعل أميركا عظيمةً مرة أخرى.

غير أنّ علامة الاستفهام: "كيف الوصول إلى الهدف، ذلك أنه رغم رؤيته الواضحة في أعين صانعيه ورافعيه، إلا أنّ تضاريس عديدة على الأرض تكاد تمثّل عقبات في الطريق إليه؟

ربّما التحدّي الأول، الأكبر والأخطر، هو حالة النسيج المجتمعيّ الأميركيّ، وأجواء الاستقطاب السياسي القائمة والقادمة، فعلى الرغم من أن الانتخابات جرت في أجواء هادئة، ولم يعكّر العنف السياسي مساراتها أو يعق مساقاتها، إلا أن ذلك لا يعني أن العداء الأيديولوجي قد انصهر كالثلج دفعة واحدة، وهناك من يتحدث في الايام الأخيرة عن إجراءات يسعى الديمقراطيّون للقيام بها، بهدف وضع عقبات في طريق إدارة ترامب القادمة.

يَعِنّ لأيّ متابع محقّق ومدقّق أن يقطع بأن معركة ترامب الداخلية سوف تكون مثيرة للجدل، وربما خطيرة بالفعل، لا سيما إذا مضى في طريق الثأر من الذين قاموا بتزوير الانتخابات الرئاسية 2020 بحسب تقديره.

ثانيًا، يبدو أن الرجل لديه رؤية مزلزلة لوضع الجهاز الحكوميّ الأميركيّ، حيث يتطلع لإعادة ترتيب أوراق الوزارات والهيئات التي ترهّلت، وهو ما سوف يعد فرصة سانحة للخلاص من بضع عشرات الآلاف من الديمقراطيّين اليساريّين، عطفًا على غُلاة الليبراليّين، هؤلاء وأولئك الذين جنحوا بسفينة البلاد بعيدًا.

هذه الرؤية لتطهير الكيان الحكوميّ الأميركي، لا تبدو مهمة سهلة أو يسيرة في طريق تحقيق "أميركا العظيمة ثانيةً"، بل يخشى الكثيرون من أنها غالب الظنِّ ستضحى موقعة حربية غير ظاهرة، ستؤدّي لصدامات مخيفة.

ولعل الذين يتابعون الاختيارات الأولى لترامب في إدارته، يدركون أنه أنشأ ما يمكن أن نطلق عليه جهازًا أو وحدة، وربّما إدارة مستقلة لـ"الكفاءة الحكومية"، وعهد بها إلى اثنين، الفتى المعجزة إيلون ماسك، والشاب الهنديّ الأصل، الواعد فيفيك راماسوامي، والذي سعى للحصول على ترشيح الجمهوريّين له للترشح لمنصب الرئاسة.

هنا ينبغي التوقّف قليلاً، ذلك لأنّ تبعات واستحقاقات عمل هذَيْن الاثنين، ستشكّل ملامح الداخل الأميركيّ، وما إذا كانت أميركا ستتحوّل إلى بحر هائج مائج مضطرب، أم تسوده رياح نسيم ربيعيّة لطيفة.

يتفهم المرء اختيار راماسوامي، بوصفه أحد القلائل من أركان الحزب الجمهوري الذين تحدثوا عن ترامب بالخير بل والتقريظ خلال الحملة الانتخابية، والجميع توقع أن يكون له نصيب في الإدارة القادمة، وسيكون عمله بدوام كامل.

أمّا الرجل اللغز، ماسك، فهذا الذي تدور من حوله القصص والأساطير، سيما بعد أن غير اتّجاه رياحه من معارض لترامب، ورافض أن يدفع دولارًا واحدًا لحملته الانتخابيّة، كما أعلن ذلك في عام 2022، إلى داعم كبير ومموِّل بما يتجاوز المائة مليون دولار في الظاهر على الأقل لترامب، حتى وإن عادت عليه بقرابة 22 مليار دولار من جراء ارتفاع أسهم شركاته بعد فوز ترامب.

ولعلَّ الباحث عن عقيدة ترامب، لابد أن يتوقّف أمام أمرين آخرين داخليَّيْن لهما عظيم الأثر على سكان الدولة الأمبراطوريّة، الأول يتمثل في الاقتصاد، والثاني في مسألة الهجرة والحدود وفي كل الأحوال هما مترابطان معًا.

يدرك ترامب أن ما جعل أميركا عظيمة أول الأمر مواردها وخيراتها ومقدّراتها الاقتصادية، تلك التي مكّنتْها من الانطلاق على ما وراء المحيطين شرقًا وغربًا، وهو دَيْدَن أي إمبراطورية صاعدة عبر التاريخ.

الذين انتخبوا ترامب راهنوا على قدراته الاقتصادية في معالجة قضايا مقلقة لا سيما التضخم وارتفاع الأسعار وتحديات مستوى المعيشة، وهذه تقلق العوام والنخب معًا.

أما رجالات الدولة ومفكّرو الاقتصاد، فيشاغلهم في صحوهم ومنامهم أميركا المديونة بقرابة 35 تريليون دولار، ما يجعل مستقبلها رهن الكثير من المخاطر.

الأمر الآخر هو مسألة أمن الحدود، لا سيّما أن إهمال المراقبة هناك أدى إلى فشل واضح خلال سنوات بايدن الأربع، ما قَوَّض كثيرًا السيادة الوطنية، وأجهد الخدمات الاجتماعية، كما قاد إلى تهديد شباب الأمة من خلال تهريب المخدرات القاتلة لا سيَّما الفنتالين الوارد من الصين.

هنا تبدو معارك ترامب الداخلية في سبيل الوصول إلى أميركا العظيمة ثانيةً، أمرًا عسيرًا وليس يسيرًا، ما يتطلَّب تكريس الجهود والموارد العقلية والمادية، لحلحلة الإشكالات الداخلية.

غير أنه ومن منطلق أن واشنطن سيدة قيصر، مالئة الدنيا وشاغلة الناس، فلهذا لا يمكن أن تضحى عقيدة أميركا العظيمة حقيقة فاعلة على الأرض، من غير رؤية لسياسات خارجيّة تحفظ للأميركيّين أمنيتهم في "القرن الأميركي" وتمد مظلتهم التي عبر عنها البعض أحيانًا بوصف "الباكسا أميركانا"، أي زمن السلام الأميركي، كنظيرٍ ونِدٍّ للسلام الذي ساد في عهد الإمبراطورية الرومانية لقرابة خمسة قرون.

لكن كيف يمكن ذلك وإدارة بايدن تترك له ساحة أممية مشتعلة، من الملف الأوكراني الذي يدخل عامه الثالث مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، مرورًا بأوروبا المنقسمة على ذاتها، والتي يعشّش في عقول وقلوب الملايين منها فكرٌ يمينيٌّ شعبويّ فوقيّ يعيد للأذهان أزمنة الرايخ الثالث لصاحبه أدولف هتلر وشركائه، وصولاً إلى شرق أوسط ملتهب وينتظر عود ثقاب ليتحول الصراع من إقليمي إلى عالميّ، وعلى رأسه الملفَّان الفلسطيني–الإسرائيلي، والإيرانيّ بما يدور في فلكه من ميليشيات ووكلاء حرب.

غالب الظنّ ومن خلال نظرة أوّليّة سريعة على المرشحين لإدارة أميركا والعالم تحت إشراف ترامب، أن الرجل سوف يميل إلى تفعيل منظور "السلام من خلال القوة"، أو السلام حول العالم عبر الردع، وهو الصنو والمرادف للمقولة التاريخيّة الشهيرة، إن أردت السِّلْم فاستعدَّ للحرب.

هنا يبدو الحديث في حاجة إلى المزيد من التحليل والتفكيك، وبخاصة في ظل رجل يبدو متواريًا في هذه الإدارة، في حين أنه غالب الظن سيمثل العقل المؤدلج المحرّك بها ونعني به النائب الواعد جي دي فانس. إلى قراءة لاحقة مكمّلة ومتمّمة بإذن الله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط