الإنصاف والاعتذار: عن أمين الجميل واتفاقية 17 أيار

أحمد عدنان
أحمد عدنان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

في الحوار الذي أجرته صحيفة “الحياة” اللندنية قبل سنوات، تحدثت الديبلوماسية الأميركيـة أبريل غلاسبي (السفيرة في العراق عام 1990) عن السياسيين العرب الذين التقتهـم: “أهم من عملت معه من السياسيين العرب هو الرئيس أمين الجميّل، لم يكن يطلب شيئاً لنفسه، كان دائماً يطلب للبنان ويعمـل مـن أجله”.

حين انتهت ولاية الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، رشح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد “صديقه” الشيخ أمين الجميّل لخلافة عنان، لكن ظروفاً دولية حالت دون الترشيح.

القصتان السابقتان تشيران إلى العلاقة العميقة التي جمعت أمين الجميّل بالولايات المتحدة الأميركية بدءاً من أيام رئاسته (1982 – 1988).

حين تولى الرئاسة، شكّل الجميّل حكومة شفيق الوزان من التكنوقراط على الطريقة الأميركية، وعين أول وآخر وزير خارجية لبناني لا يجيد اللغة الفرنسية (إيلي سالم) في تحول رمزي من الفرنكفونية إلى الانغلوساكسونية.

كان الجميّل مخيراً بين التحالف مع سوريا حافظ الأسد، وبين إسرائيل مناحيم بيغن، فاختار أميركا رونالد ريغان متصوراً أنه بذلك يعلو على السوريين والإسرائيليين معاً، فخسر كل شيء.

الحديث عن الجميّل هو بحث في أغوار شخصية سياسية جدلية جداً في لبنان. رفع الموساد تقريراً إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي إسحاق شامير عن الرئيس اللبناني جاء فيه: “وطني حقيقي، لديه وعي عال بمعنى صورته للتاريخ. وهو رجل مزهو جداً، لكنه محدود ثقافياً وعاجز فكرياً عن إدراك وضع بمجموعه والتوصل إلى نتيجة عقلانية، كما أنه يضيع حبل أفكاره بكل يسر. وما يثير الشفقة والعطف أن الرئيس اللبناني يدرك ذلك تماماً”.

هذه الجمل الموجزة التي أثبتها الآن مينارغ في موسوعته عن حرب لبنان، ربما تفسر انتصارات الجميّل المذهلة وهزائمه المروّعة.

يروي كهول بيروت أنهم في بداية عهد الجميّل كانوا يسمونه “محمد” الجميّل انعكاساً لشعبيته – الباقية إلى اليوم- في بعض الأوساط الإسلامية النخبوية، فالرئيس الجميّل كان كلاسيكياً في مقاربته للصورة اللبنانية بجناح ماروني وبجناح سني، ولعله أول رئيس لبناني طبّق تلك الشراكة بصرامة، هذا غيّر تاريخه المتعاطف مع منظمة التحرير والقضية الفلسطينية. روى أحد رجال الرئيس الراحل ياسر عرفات أن تدخل أمين الجميّل في مجزرة الكرنتينا وتل الزعتر ساهم في تخفيف حدة المجزرة.

مما لا شك فيه أن شعبية الجميّل الإسلامية تتجاوز بكثير شعبيته المسيحية. فقد تعلق المسيحيون بشقيقه الأصغـر بشير وأهملوه ما سبّب له عقدة ربما لم يتحرر منها.

يمتاز أمين عن غيره بأنه يستطيع أن يغلّف معاركه الشخصية بثياب وطنية ومبدئية، سوّق أمين الجميّل- صاحب ميليشيا شباب المتن- موقفه المعادي من “القوات اللبنانية”-التابعة لشقيقه- على أنه التمسك بقيمة الدولة ورفض الميليشيا. عين الجميّل حكومة عسكرية برئاسة ميشال عون لتخلف ولايته وتتصارع مع صديقه اللدود سمير جعجع بغلاف التزامه بالعرف اللبناني. ضعفت شعبية أمين المسيحية أكثر بسبب عهده المضرّج بحرب الجبل وتهجير المسيحيين وانقسامهم وانهيار الليرة والدولة.

ورث الجميّل الخط العروبي المسيحي عن والده “المصري” بيار الجميّل (عائلة الجميل المارونية اللبنانية لجأت إلى مصر لفترة هرباً من الحكم العثماني). رغم كل ما يشنع عن بيار إلا أنه اختار لنفسه موقع “يمين القومية العربية”، وصرح عن ذلك مراراً خصوصاً في مؤتمر الحوار الوطني بلوزان، “أنا بيار الجميّل وأقولها: لبنان عربي”.

علاقات والده الخليجية والعربية ورثها الجميّل بامتياز. بعض الساسة اللبنانيين الأرفع شأناً منه إذا زاروا الدول العربية والخليجية يستقبلهم رئيس المخابرات أو وزير الخارجية، لكن الجميّل يحظى غالباً باستقبال رأس الدولة أو الرجل الثاني فيها. السبب الأهم غير أنه رئيس سابق، يعود إلى الصورة التي رسمها بيار عن أسرته في المحيط العربي والخليجي كـ”أسرة ملكية مسيحية”.

اتفاقية 17 أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل هي أهم وأروع انتصارات الجميّل الديبلوماسية والسياسية. عقد أمين تلك الاتفاقية في ظل مقاطعة العرب لأنور السادات بسبب اتفاقية كامب ديفيد. أعلن الجميّل أن تفاوضه مع إسرائيل محض ضرورة بحكم حضور جيشها في لبنان، وأن الاتفاقية “ليست معاهدة سلام وليست اتفاقاً سياسياً، إنما هي اتفاقية تقنية”. نسّق الجميّل مفاوضاته مع الدول العربية المحافظة مؤمّناً بذلك غطاء سنياً وعربياً لمشروعه، وبعد إعلان الاتفاقية أعلنت دول مجلس التعاون ًأنها تقف مع لبنان وتتفهمه”. نال الجميّل بعد ذلك موافقة الزعماء التقليديين سنة وشيعة على الاتفاقية لتنال شبه إجماع داخل الحكومة والبرلمان، وفي ذروة انتصاره لم يصادق عليها. وتلك معضلة أخرى في شخصية أمين، يتجلى دهاؤه في التخطيط إلى مراده، وبعدها لا يستطيع أن يستثمر انتصاره وربما يضيعه. يجيد التعاطي مع المحيط العربي والدولي لكن تعاطيه مع الملف اللبناني- والمسيحي خصوصاً- أقل نجاعة وبمراحل، وهو ما كوّن عنه صورة شعبية رسمتها رئاسته الأولى – ليست دقيقة بالضرورة -: متردد ومحب للمال، يبدو أحياناً أقرب الى خصومه من الحلفاء، لا يمكن التنبؤ بردود فعله ولا دوافع تقلباته، وعنيد إلى درجة تجعله يفقد أصدقاءه ثم يخسر احترام خصومه، وبعدها ينتهي وحيداً.

ألغى الجميّل “اتفاقية أيار” يوم قال: “لن يكتب التاريخ أن أحداً من آل الجميّل قد وقع اتفاقاً مع الإسرائيليين”، ليرتمي عارياً وبلا ثمن مطلقاً في أحضان البعث السوري. خاف الجميّل من مطامع حافظ الأسد، ولم يثق الأسد بأمين، وما جرى بعد ذلك أصبح تاريخاً معروفاً دفع لبنان ثمنه غالياً مرات ومرات.

السؤال الكبير في ظل الأحداث الراهنة: ماذا لو مضى أمين الجميل إلى النهاية مع اتفاقية ١٧ أيار؟ هذا سؤال لا يمكن التكهن بجوابه، لكننا إذ ننظر إلى بنود الاتفاقية اليوم، نجدها قد حوت نصوصاً متقدمة قياساً بتجارب السلام بين إسرائيل وبين مصر والأردن وحتى مع السلطة الفلسطينية، فلا يمكن لأيّ منصف اتهام الاتفاقية بخدش السيادة اللبنانية بما في ذلك التفاصيل العسكرية والأمنية، وهنا لا بد من الإشادة بجهد المفاوض اللبناني المحنك (الديبلوماسي أنطوان فتال) وقدراته الفذة، ومن يطالع شهادات الإسرائيليين ووثائقهم عن تلك المرحلة يلمس مشاعر الإعجاب والتذمر من فتال “هذا الرجل جدار ثلجي أصمّ لا يمكن النفاذ إليه أو التأثير عليه”.

لقد أنصف التاريخ اتفاقية أيار مرتين، في الأولى مع ترسيم الحدود البحرية 2022، وفي الثانية مع اتفاقية وقف إطلاق النار 2024، وفي المرتين كانت اتفاقية 17 أيار أحفظ لكرامة لبنان وسيادته واستقلاله ووحدة ترابه وأراضيه، والطريف أن المسؤول عن نتائج ترسيم الحدود البحرية واتفاقية وقف إطلاق النار الراهنة هو الذي وصف “اتفاق الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل على انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان” عام 1983 قائلاً: “اتفاقية 17 أيار ولدت ميتة”، ووصفها فريقه السياسي باتفاقية “الذل والعار”، لترد عليهم الأقدار بعد 41 سنة بأن ما فعله هذا “المحور” بلبنان وبأهله كلهم هو الذل والعار.

نقلا عن grandlb

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط