فتنة التكتلات الشعبوية ومآلاتها

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

يذكر أبو الفرج ابن الجوزي في تاريخه المنتظم في أحداث عام ((201هجرية)) يقول ((... وفي هذه السنة: تجردت المطوعة للإنكار على الفساق ببغداد، وكان رئيسهم خالد الدريوش، وسهل بن سلامة.
وكان السبب في ذلك: أن فساق الجند والشطار أذوا الناس أذى شديدا، وأظهروا الفسق وقطع الطريق، وأخذوا النساء والغلمان علانية من الطرق، وكانوا يجتمعون فيأتون الرجل، فيأخذون ابنه، فيذهبون به، فلا يقدر على المنع منهم، وكانوا يجتمعون فيأتون القرى، فيأخذون ما قدروا عليه، ولا سلطان يمنعهم ولا سلطان يعثر بهم، وخرجوا في آخر أمرهم إلى قطربُّل فانتهبوها علانية، وجاءوا بما أخذوه يبيعونه علانية، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان فلم يعدهم، وكان ذلك في آخر شعبان، فلما رأى الناس ذلك، قام صلحاء كل ربض ودرب/ ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما يكون في الدرب الواحد الفاسق والفاسقان إلى العشرة، فأنتم أكثر منهم وقد غلبوكم، فلو اجتمعتم لمنعتم هؤلاء الفساق. فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال لَهُ: خالد الدريوش، فدعا جيرانه، وأهل محلته إلى معاونته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه، فشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان لأنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئا، ثم قام من بعده بيومين أو ثلاثة رجل يقال لَهُ: سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان، ويكنى: أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم، وعلق مصحفا في عنقه، ثم بدأ بأهل محلته وجيرانه، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعا إلى ذَلِكَ وجعل لنفسه ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه يبايعه على ذلك، لقتال من خالفه، فأتاه خلق كثير فبايعوه، إلا أن خالد الدريوش خالفه فَقَالَ: أنا لا أغير على السلطان شيئا ولا أقاتله. قال سهل: أنا أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة، كائنا من كان، سلطانا أو غير سلطان، فمن بايعني على ذلك قبلته، ومن خالفني قاتلته. وقام سهل بذلك يوم الخميس لأربع خلون من رمضان، وقوتل من قبل السلطان، قاتله عيسى بن محمد بن أبي خالد، فقاتل/ فضرب ضربة بالسيف، فرجع إلى منزله، ثم اعتذر إليه عيسى أن يعود إلى الأمر بالمعروف، فعاد)).

وكما هو معروف أن الأوضاع السياسية والأمنية في هذا التاريخ في بغداد العباسية غير مستقرة والمأمون دخل في صراع مع عمه إبراهيم بن المهدي وكما جاء في النص أن هناك من تولى أمر الأمن الشعبي تحت مسميات شرعية لإضفاء شيء من الشرعية الدينية وإلا فما معنى المبايعة كما حدث عند "سهل بن سلامة الأنصاري" فإجرائيات هذا الرجل لا تدل أبدا على أنه سوف يقتصر على الأمر بالمعروف وإنما سوف يتجاوز ذلك نحو الخروج على ولي الأمر والمجتمع وهو ما حدث فعلا بعد ذلك.

ولابن خلدون كلام مهم حول علاج من هم مثل سهل بن سلامة يقول: ((... ولا يشعرون بمغبّة أمرهم ومآل أحوالهم والّذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إمّا المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإمّا التّنكيل بالقتل أو الضّرب إن أحدثوا هرجا وإمّا إذاعة السّخريّة منهم وعدّهم من جملة الصّفّاعين وقد ينتسب بعضهم إلى الفاطميّ المنتظر إمّا بأنّه هو أو بأنّه داع له وليس مع ذلك على علم من أمر الفاطميّ ولا ما هو وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبّسين يطلبون بمثل هذه الدّعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التّوصّل إليها بشيء من أسبابها العاديّة فيحسبون أنّ هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤمّلونه من ذلك ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة وتسوء عاقبة مكرهم...)).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط