الأسئلة الصعبة فى دمشق والإقليم
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ما حدث فى سوريا خلال الأسابيع القليلة الماضية وحتى الأمس لن يقف بالتأكيد عند الحدود السورية، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إنه سيكون أحد عوامل تسريع الصراع الجارى على قمة النظام العالمي. الملف السورى أصبح ملفا دوليا منذ قرار روسيا التدخل لحماية نظام بشار الأسد، الذى فتح المجال أمام بناء معادلة أمنية دولية- إقليمية، على حساب الدولة السورية، وعلى حساب سيادة الدولة السورية، وعلى حساب الأمن القومى العربي، ثم تطور ليصبح على حساب أمن الإقليم نفسه. نجح النظام، استنادا إلى هذه المعادلة، فى الحفاظ على بقائه، والحفاظ على الدولة دون الانهيار، لكنه كان، فى المقابل، استثمارا فى رصيد ونفوذ هؤلاء الفاعلين الدوليين والإقليميين. الأخطر أن هؤلاء الفاعلين اعتمدوا بالأساس على وكلاء لهم داخل سوريا من الميليشيات والتنظيمات المسلحة، وتصرف هؤلاء الوكلاء داخل سوريا بالتزام شديد بتعليمات رعاتهم الخارجيين، وعكسوا بشكل أمين طبيعة العلاقات بين هؤلاء الرعاة، حيث التوافق فى بعض المراحل والتناقض والصراع فى مراحل أخرى، لكن جمعهم هدف رئيسى هو توظيف الساحة السورية لبناء توازنات دولية وإقليمية محددة تتوافق مع مصالح هؤلاء الرعاة، حتى لو جاء ذلك على حساب الدولة السورية أو أمن باقى دول المنطقة، وعلى حساب المواطن السوري. النظام السورى استطاع أن يخلق معادلة مع هؤلاء الفاعلين لكنها ظلت معادلة غير قابلة للبقاء لمدى زمنى طويل. هذا هو التوصيف الدقيق للمسألة السورية فى تقديري.
اللحظة الراهنة الآن فى سوريا هى لحظة شديدة الخطورة، وشديدة التعقيد، لكنها تحمل الكثير من الدلالات، وتتطلب أكثر من أى وقت مضى توصيفا دقيقا وموضوعيا، بعيدا عن أى حسابات أخرى ضيقة. ويمكن فى هذا السياق، طرح ملاحظتين مهمتين يجب أن تحكما التعامل مع المسألة السورية.
الاستنتاج الأول، يتعلق بطبيعة الصراع الجارى فى سوريا. لا يزال البعض يتمسك بأن هذا الصراع هو صراع على السلطة بين النظام والمعارضة، ومن ثم فإن سقوط نظام بشار الأسد هو الباب إلى التغيير السياسى وبناء «نظام ديمقراطي». الواقع الراهن يختلف جوهريا عن هذا التوصيف ولا يوجد ما يدافع عنه أو يؤكده. ربما كان هذا التوصيف مقبولا فى المراحل الأولى من بدء الأزمة السورية، لكن الصراع الآن ليس بين النظام وقوى سياسية سورية، لكنه فى الحقيقة صراع على الدولة السورية، وهو صراع جرى بترتيبات وتوافقات منسقة. الاستناد إلى ردود الفعل الإيجابية داخل الشارع السورى حول سقوط النظام و«الترحيب» بالوكلاء المحليين، كمؤشرات على بدء مرحلة سياسية جديدة، هى قراءة غير دقيقة، إذ يجب أن نفهم هذه المؤشرات أخذا فى الاعتبار الخطاب المؤقت للتنظيمات المتصدرة للمشهد الراهن، التى تسعى بالتأكيد إلى دفع الشارع إلى استيعابها والتعاون معها على المدى القصير، لكنها قد تتحول فى الوقت المناسب إلى العمل وفقا لحساباتها وحسابات قوى أخرى.
الاستنتاج الثاني، يتعلق بالدرس الرئيسى الذى يؤكد نفسه بشكل متكرر، هى خطورة التضحية بالدولة الوطنية، وخطورة التضحية بالجيوش النظامية الوطنية. ما تمر به المنطقة منذ عام 2011، بل منذ عام 2003، يؤكد هذا الدرس، بحيث يمكن القول إن المنطقة يزداد ابتعادها عن الاستقرار والأمن بقدر ابتعادها عن استقرار الدولة الوطنية والجيوش الوطنية النظامية، وكلما ضعفت الدولة الوطنية والجيوش النظامية الوطنية، ازدادت فرص عدم الاستقرار وتعمقت حالة الفوضى. وتتأكد هذه العلاقة العكسية فى حالة توافر شرطين إضافيين، أولهما حالة التعدد والانقسام العرقى والدينى داخل المجتمع، وثانيهما التشابك المذهبى والديموغرافى مع دول الإقليم؛ فكلما تعمقت هذه الانقسامات والتشابكات زادت فرص انتقال تداعيات انهيار الدولة والجيوش الوطنية خارج حدودها المباشرة.
أهمية هذا الاستنتاج أنه يؤسس لضرورة بناء توافق إقليمى سريع حول إنقاذ الدولة السورية، يستند إلى إعادة تعريف لطبيعة الأزمة وطبيعة الصراع الجارى فى سوريا. هناك شواغل سياسية وأمنية لدى عدد من الأطراف الإقليمية لا يمكن إنكارها، لكن هناك أيضا مصالح عربية قوية ترتبط بسوريا والإقليم، لا يجوز تجاهلها أو إنكارها والقفز عليها من جانب أى طرف آخر. ومن ثم، عندما تتعامل الأطراف الإقليمية والدولية مع الملف السورى يجب أن تقف عند طرح شواغلها الأمنية دون أن يأتى ذلك على حساب تقرير مصير ومستقبل الدولة السورية أو المجتمع السوري، فهذه أمور يجب أن تظل ملكا للشعب السورى فقط. ويعنى ذلك أيضا ضرورة الانطلاق من معطى آخر وهو ضرورة الحفاظ على الجيش السورى باعتبار ذلك شرطا رئيسا للحفاظ على الدولة السورية. ويجب هنا استلهام دروس الخبرات التى مرت بها دول أخرى فى المنطقة. لابد من التمييز الصارم بين الجيش السورى والنظام السوري. هذا التمييز تحتمه التداعيات الخطيرة التى يمكن أن تطول الجميع فى حالة انهيار الدولة السورية وجيشها النظامي، وذلك انطلاقا من خصوصية الملف السورى داخل الإقليم، استنادا إلى الشروط السابق الإشارة إليها.
ويعنى ذلك أيضا أن تكون هناك عملية سياسية لإدارة مرحلة انتقالية، تستلهم دروس حالات التعثر القائمة فى المنطقة. هناك شروط أساسية متعارف عليها لبناء عملية سياسية قابلة للتنفيذ والاستدامة، حتى تصب فى مصلحة تثبيت الدولة السورية وبناء نظام سياسى احتوائى مستقر. أول تلك الشروط يتعلق بأن تكون هذه العملية السياسية وطنية مملوكة للشعب السورى والقوى السياسية السورية، بدءا من الصياغة وانتهاء بالتنفيذ. الشرط الثاني، هو تحرير هذه العملية من الارتهان الكامل بالتوازنات الخارجية، بحيث لا تتمتع الأطراف الخارجية بالحق فى تعطيل هذه العملية أو ممارسة حق الفيتو عليها.
مرة أخرى، ومع تفهم الشواغل الأمنية للأطراف الإقليمية، لكن يجب أن تتعامل الدولة السورية فقط مع هذه الشواغل، وبما لا يأتى على حساب سيادتها وعلى حساب أمنها القومي. خبرات المنطقة تقول إن إزاحة النظام قد تمثل الحلقة الأسهل فى عملية التغيير لكن الأصعب هو عملية بناء النظام البديل. الخبرة نفسها تقول أيضا أنه بدون وجود الجيوش الوطنية والحفاظ عليها فإن عملية البناء تصبح أكثر صعوبة وربما لن تبدأ من الأساس.
***
المنطقة يزداد ابتعادها عن الاستقرار والأمن بقدر ابتعادها عن استقرار الدولة الوطنية والجيوش الوطنية النظامية، وكلما ضعفت الدولة الوطنية والجيوش النظامية الوطنية، ازدادت فرص عدم الاستقرار وتعمقت حالة الفوضى.
* نقلا عن "بوابة الأهرام"