المليار الذهبي وتناقص سكان العالم

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

من بين عديد النظريات المختلف عليها، ما بين الحقيقة والمؤامرات، ترتفع قضية المليار الذهبي، الروسية الأصول والتي تقول بأن هناك مَن يسعى بالفعل إلى إنقاص عدد سكان العالم بصورة كبيرة، حتى تتمتع البقيّة الباقية بنوعٍ من أنواع رفاهية الحياة.

الحديث عن نظرية المليار الذهبي تكاد تدعمه بعض مقرَّرات المؤتمرات واللقاءات الدولية ومن بينها قمة لوغانو في سويسرا، والتي جَرَتْ في العام 1996، وفيها الكثير من الأحاديث عن حتمية تراجع عدد سكان العالم، وكان وقتها في حدود المليارات السبعة، وقد توقع الجميع أن يصل الرقم إلى عشرة مليارات بحلول العام 2100، أي خلال ستة عقود من الآن.

غير أنه وبعيدًا عن حديث المؤامرات والمؤتمرات، يبدو أن البشرية وبالفعل في طريقها لما أطلق عليه بعض العلماء "عصر تناقص السكان"، وذلك للمرة الأولى منذ تفشّي مرض الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، والذي أدَّى إلى تراجع عدد السكان حول العالم بنحو الربع تقريبا.

على أن المفارقة المثيرة، هي أن البراغيث كانت السبب في انتشار الطاعون، أمّا اليوم، فإن تناقص عدد سكان الكرة الأرضية سيكون مرجعه الخيارات التي اتّخذها البشر والعهدة هنا على الراوي، البروفيسور "نيكولاس إيبرشتات"، رئيس كرسي هنري ويندت للاقتصاد السياسي في معهد أميركان إنتربرايز.

ما الذي ينتظر ديموغرافية العالم، وهل من مناطق بعينها ستتراجع فيها أعداد السكان بشكلٍ مخيف، في حين ستحتفظ بقاعٌ أخرى بكثافة سكانها أم أن الأمر سينسحب على الجميع؟

من المؤكّد أن هناك بالفعل تكتّلات بشرية تتعرض إلى التراجع بشكلٍ مثير وربّما خطير، في مقدّمها القارة الأوروبية والتي تعاني من حالة الشتاء الديموغرافي بشكلٍ مؤكّد، حيث يتناقص عدد سكّانها بصورة ملحوظة.

عطفًا على أوروبا، تبدو دولةٌ كبرى مثل روسيا الاتّحادية، في مواجهة ذات الإشكاليّة، ولم تفلح كافّة التسهيلات التي وفّرتْها الدولة لمواطنيها، في الدفع نحو زيادة عدد سكانها.

ولعل المفاجأة الكبرى تتجلى في الصين، التي سيتراجع عدد سكانها بالوصول إلى عام 2050 إلى نحو سبعمائه وخمسين مليون نسمة فقط، ما يعني أن الهند سوف تسبقها في التعداد السكاني، مع ما لذلك من تغير في الأوزان الاستراتيجية لدول شرق آسيا.

هل ستتغير القاعدة التي تحكم العلاقة بين المواليد والوفيات؟

مؤكّد أن ذلك هو ما ستجري به المقادير، بمعنى أن عدد الوفيات سوف يفوق عدد المواليد، فيما السبب الرئيس سيكون تراجع معدلات الخصوبة والإنجاب من جهة، وتفضيلات البشر في تقليل عدد أفراد الأسرة والامتناع عن الزواج من جهة ثانية، وعليه سوف تصبح هياكل الأسرة التقليدية والترتيبات المعاشية التي لم تكن متخيَّلة حتى الآن، إلا في روايات الخيال العلمي، سمات عادية وغير ملحوظة في الحياة اليومية.

لقد انخفضت معدلات الخصوبة العالمية منذ الانفجار السكاني في ستينات القرن العشرين. وعلى مدى أكثر من جيلين، اتّجهتْ مستويات الإنجاب المتوسطة في العالم إلى الانخفاض بلا هوادة، حيث انضمّتْ دولةٌ تلو الأخرى إلى هذا الانخفاض. ووفقًا لقسم السكان التابع للأمم المتحدة، كان معدَّل الخصوبة الإجماليّ للكوكب في عام 2015 أعلى بمقدار النصف فقط ممّا كان عليه في عام 1965. أمّا حسابات شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة، فقد شهدتْ كلُّ دولة انخفاض معدَّلات المواليد خلال تلك الفترة.

وبمزيد من التفصيل، يفيد برنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ أن منطقة شرق آسيا بأكملها انزلقت إلى حالةٍ من الانكماش السكاني في عام 2021. وبحلول عام 2022، كان كل السكان الرئيسيّين هناك في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، يتقلَّصون.

وبحلول عام 2023، كانت مستويات الخصوبة أقل بنسبة 40% عن مستوى الإحلال في اليابان، وأكثر من 50% عن مستوى الإحلال في الصين، وبنحو 60% عن مستوى الإحلال في تايوان، ونحو 65% عن مستوى الإحلال في كوريا الجنوبية.

ماذا عن القارة الأوروبية؟

على مدى نصف قرن من الزمان كانت معدَّلات الخصوبة الإجمالية في أوروبا أقل من معدلات الإحلال بشكلٍ مستمرّ. فقد انخفضت معدلات الخصوبة في روسيا لأول مرة إلى ما دون معدلات الإحلال في ستينيات القرن العشرين، خلال عهد بريجنيف، ومنذ سقوط الاتحاد السوفيتي، شهدت روسيا 17 مليون حالة وفاة أكثر من معدلات المواليد، ومثل روسيا، فإن الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أقل بنحو 30% اليوم من معدّلات الإحلال.

المثير في المشهد أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدورها تأثّرتْ بهذه الموجة من انخفاض السكّان، على عكس ما جرت العادة، حيث الرغبة في الإنجاب وتكوين أسر ذات أعداد من متوسطة إلى كبيرة، وبعيدًا عن الإعداد الصغيرة أو الإضراب عن الزواج.

هل من خروج على هذه القاعدة، أي دولة بعينها لا تتناقص فيها الأعداد بل تتزايد معدلات الخصوبة؟
من الأرقام الإحصائية للولايات المتحدة نجد أن تعداد سكان أميركا عام 2000 كان في حدود الـ 300 مليون نسمة، فيما اليوم وبعد نحو ربع قرن وصل إلى 335 مليون نسمة، ما يعني أن الولايات المتحدة تمثل الحالة الشاذة الرئيسية في البلدان المتقدمة، وتقاوم اتجاه انخفاض عدد السكان.

هنا وفي الداخل الأميركي تبدو مستويات الخصوبة مرتفعة نسبيًّا، والتدفقات الثابتة للمهاجرين مستمرة، ما يعني أننا أمام ما بات يُعرَف بـ"ظاهرة الاستثنائية الديموغرافية الأميركية".

لكن وعلى الرغم من هذا كله، لم يعد انخفاض عدد السكان أمرًا لا يمكن تصوره، ففي العام الماضي، توقع مكتب الإحصاء الأميركي الحكومي أن يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة ذروته حوالي عام 2080، ثم يتجه إلى انخفاض مستمر بعد ذلك.

هل من سبب مباشر لتراجع مستويات الخصوبة عالميًّا؟

الحقيقة أن الأمر لا يزال يمثل لغزًا من نواحٍ عديدة، غير أنه وفي كل الأحوال يُعتقَد أن النموالاقتصادي والتقدم المادي، وما يسميه علماء السكان والديموغرافيا "التنمية المرتبطة بالتحديث"، مسؤولين عن انزلاق العالم إلى معدلات ولادة منخفضة للغاية وانحدار السكان على المستوى الوطني، وبما أن انخفاض معدلات المواليد بدأ مع صعود الغرب الاجتماعي الاقتصاديّ، وبما أن الكوكب أصبح أكثر ثراءً وصحّةً وتعليمًا وتحضرًا، فإن العديد من المراقبين يفترضون أن انخفاض معدلات المواليد هو ببساطة نتيجة مباشرة للتقدم المادي.

هل هذا التراجع السكاني العالمي أمرٌ جيد؟

باختصار غير مُخِلّ، إن تقليص عدد السكان من شأنه أن يقلب الإيقاعات الاجتماعية والاقتصادية المألوفة رأسًا على عقب.

سوف تضطر المجتمعات إلى تعديل توقعاتها لتتوافق مع الحقائق الجديدة المتمثّلة في انخفاض أعداد العمال والمدخِّرين ودافعي الضرائب والمستأجرين ومشتري المساكن ورجال الأعمال والمبتكرين والمخترعين، وفي نهاية المطاف المستهلكين والناخبين.

بالإضافة إلى ذلك، سوف تؤدّي شيخوخة السكان الشاملة والانحدار السكاني المطوَّل إلى إعاقة النمو الاقتصادي وشلّ أنظمة الرعاية الاجتماعيّة في البلدان الغنية، ممّا يهدد آفاق استمرار الرخاء في هذه البلدان.

يَعِنُّ لنا أن نتساءل ختامًا: هل لهذا يبدو التركيز على عالم الذكاء الاصطناعي كبدل للعنصر البشري؟

إلى قراءة قادمة متمِّمة ومكمِّلة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط