أزمة الكويت.. في مذكرات الحجيلان
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تكرم الصديق معالي الأستاذ جميل الحجيلان بإهدائي مذكراته التي تنقل مسيرته المثيرة في جزءين كل منهما يسجل سبعمئة صفحة ترجمة لمسار صديقنا منذ طفولته في دير الزور في سوريا، حيث انتقلت أسرته من نجد الى دير الزور ويطلق على الاسر السعودية التي تنتقل الى الشام أو العراق أو غيرهما «العقيلات»، حيث أنهى الثانوية وتوجه الى القاهرة، حيث انضم الى كلية الحقوق في جامعة القاهرة متخرجاً فيها عام 1946 ومتوجهاً الى جدة منضماً الى الدبلوماسية السعودية. هنا تبدأ أولى خطواته العملية فيدخل الى السفارة السعودية في طهران متابعاً أحداث طهران المثيرة في عهد مصدق ثم إسقاطه وطلاق الامبراطورة ثريا زوجة الشاه لأنها لا تنجب ولياً للعهد فاختار الشاه غيرها رغم ترابطهما القوي، ثم ينقل الى باكستان متضايقاً لمسببات حداثة البلد في الاستقلال وقصوره في توفير اعتيادية الحياة، ويعود الى الوطن مسؤولاً عن الإعلام وبالذات برامج الإذاعة في وقت كانت فيه العلاقات المصرية – السعودية متأزمة للمواقف المصرية الراديكالية وينضم الى الوفد السعودي في قمة عدم الانحياز في بلغراد عام 1961، ويتلقى أمراً عاجلاً من الديوان الملكي بالعودة الى الطائف المقر الصيفي للملك سعود، وهنا يسجل في مذكراته، ما يلي: في الطائف وجدت في انتظاري خبراً استجمعت له كل مداركي كي أستوعب الأهمية فيه، لقد شرفني جلالة الملك سعود باختياري سفيراً لجلالته في الكويت، فكان لا بد من استدعائي على عجل كي أسافر أيضاً على عجل، كان هذا الخبر أكثر الاخبار اثارة، وأكثرها مدعاة للابتهاج، ويشير الى وجود ممثل بريطانيا في الكويت RicHARD Sir JohN الذي رشحته سفيراً وتوقعت أن يكون أول سفير وعميداً للسلك، الا أن الشيخ عبدالله السالم لم يستحسن هذه المبادرة، ولذلك جرى التفاهم بين الملك سعود وأمير الكويت أن تستعجل المملكة وتعين سفيرها في الكويت لكي يكون أول من يقدم أوراق اعتماده ويكون لذلك أول عميد للسك الدبلوماسي في الكويت وتنفيذاً لذلك قدم أوراق اعتماده لأمير الكويت في الخامس من أكتوبر 1961، معلقاً بأنه سفير لجلالة الملك سعود في الوطن المحبب اليه، الأثير الى نفسه، في الكويت التي ارتبط تاريخها في المملكة ارتباطاً يتسامى في دلالاته على كل ارتباط، ويؤكد في أول لقاء له مع أمير الكويت بأن الأمير رحب به سفيراً للملكة وسفيراً للكويت فأنت في بلدك وبين اخوتك. ويتحرك السفير الحجيلان مستوحياً في تحركاته موقف الملك سعود الذي أبرق الى الشيخ عبدالله السالم يؤكد فيه، نحن معكم في السراء والضراء، سوف نكون أوفياء في ما تعاهدنا فيه، واضافة الى صلابة الدعم للكويت، يضيف الملك سعود في برقية يوجهها الى عبدالكريم قاسم رئيس وزراء العراق قائلا: في أعناقنا عهد مقطوع للكويت في أن نهرع لنجدتها اذا تعرضت للخطر، ومن أجل ذلك أناشدكم تغليب الحكمة. ويعزز الملك سعود موقفه عبر برقية الى الرئيس جمال عبدالناصر يدعوه الى التعاون لرتق هذا الفتق، ويرد عليه عبدالناصر بأنه يضع طاقاته لخدمة المبادئ التي تحكم العلاقات العربية.
ويستمر الملك سعود في جهوده للتنسيق مع الرئيس جمال عبدالناصر بإرسال وزير الخارجية الشيخ ابراهيم السويل الى القاهرة موثقاً موقف المملكة من الازمة، ثم يبادر بالإرسال لوفد عسكري يضع ترتيبات وصول القوات السعودية التي أرسلت الى حدود الكويت مع العراق بعد ثلاثة أيام من إعلان قاسم مطالبه في الكويت، كما تبنى الملك سعود انضمام الكويت للجامعة العربية حيث تم التصويت على عضوية الكويت لاول مرة في تاريخ الجامعة واعترض العراق وامتنع اليمن، ورحبت بقية الدول بعضوية الكويت، حيث نجحت جهود الملك سعود في تأمين شبه اجماع لمصلحة الكويت، كما يشير الكاتب الى الدور السعودي في تحرير الكويت من الغزو الصدامي، حيث يسجل بأن دفاع المملكة عن الكويت يؤكد الانصهار بين البلدين، وأن دفاع المملكة عن الكويت عام 1961 لم يكن حدثاً عارضاً أفرزته ظروف استثنائية، لأن العلاقات بينهما تنبع من حقيقة تاريخية كامنة بأن يظل آل سعود ملتزمين كل واجبات الوفاء لأسرة الصباح، وما يؤكد هذا الانصهار قرار انضمام القوات السعودية المتواجدة في الكويت الى القوات التي شكلتها الجامعة العربية للدفاع عن الكويت ويتولى اللواء عبدالله العيسى قيادة هذه القوات العربية المتواجدة في الكويت.
يتحدث الأستاذ جميل الحجيلان عن وصوله الى الكويت لاول مرة، يقول عنه انه يوم كئيب، حيث حدث انقلاب في سوريا أنهى الوحدة العربية، ويسجل في مذكراته أنه لاحظ ظهور التناقضات داخل المجتمع الكويتي المنفتح لجميع الاجتهادات السياسية، مؤيدو الوحدة ومعارضوها، أنصار مصر وأنصار المملكة، حيث تحولت الكويت ساحة من ساحات المواجهة، لأن بلدي متهم بموقفه العدائي من الوحدة، وشاء قدره أن يكون في موقع من يدفع الأذى عن بلاده وهو سفير في الكويت، ويلاحظ السفير أن الكويت أكثر مناطق الخليج انفتاحاً بوجود اعلامي مصري كاسح مع ضعف الصحافة المحلية آنذاك استغلته الصحافة المصرية في الانتشار وسهل نقل المواقف المصرية الى القارئ الكويتي إضافة الى تكاثف الجالية المصرية آنذاك. كان الاستياء من سطوة الإعلام المصري في الكويت وتأثيره في مختلف التوجهات في الكويت مزعجاً للعلاقات بين الكويت والمملكة، حيث يسجل السفير بأنه يشعر بالقهر من نجاح الاعلام المصري في بلد الاشقاء واستعدائهم على المملكة وهو في موقف المتفرج كان من ساحات المواجهة، الامر الذي فرض عليه الاطلاع على الصحف متسلحاً بالصبر. تضايق السفير كثيراً مما تنشره صحافة الكويت عن عبدالناصر وتميز خطواته، ومن تعليمات وزير الإعلام الكويتي بعدم توزيع كتاب محمود أبوالفتح عن عبدالناصر فلم تكن له وسيلة يرد بها على تسيد الناصرية لصحافة الكويت سوى استمرار توزيع هذا الكتاب، ويعترف بأن عملية التوزيع كانت حيلة العاجز، وفجأة تأتي الاخبار من اليمن عن انقلاب على نظام الإمامة، كان ذلك في 26 سبتمبر 1962، وتشتد أوتار الصحافة الكويتية مؤيدة وتبتهج بعض المواقع الكويتية لهذا الحدث ويرصد السفير شيئاً من الشماتة، مستغرباً هذا الوضع الذي كان فيه الجيش السعودي مرابطاً في الكويت دفاعاً عنها ضد مطالبات عبدالكريم قاسم.
ويسجل السفير الحجيلان أن الوزارة الجديدة برئاسة الأمير فيصل بن عبدالعزيز طلبت أن أرصد ردود الفعل في الكويت رسمياً وشعبياً لكي أتبين مدى تقبلهم للوضع الجديد في اليمن وارتباط مصر بتلك الاحداث، لان المملكة ترى في مصادر الخطر عليها مصادر خطر على الكويت، ولهذا جاء الاهتمام بالموقف الكويتي، وهنا يشير الى مجموعة القوميين الكويتيين الذين اعتبروا أحداث اليمن كسباً لحركة التحرير القومي العربي. ورغم هذه السلبيات يسجل بأنه كان يحظى بمكانة متميزة عن بقية السفراء لأن المملكة تمثل الأخ الأكبر والبلد الشقيق، وكان الشيخ عبدالله السالم أمير دولة الكويت يرغب في أن أحضر مجلسه في الساعة السابعة صباحاً من كل يوم خميس، حيث تتواجد اسماء كويتية بارزة في الشأن الداخلي يتحدثون حديث الاسرة المتماسكة ويتنافسون في حبهم الكويت، فأسعد بلقاء سموه وهو يحيطني بمظاهر التكريم، حيث يدعوني بالأخ حجيلان وكأنه واحد من أبنائه كما ارتبط بعلاقات وثيقة مع الشيوخ من أبناء الاسرة، كما كان يستأذن سمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز ليذهب الى المملكة «لكي أتلقى مما يراه من توجيهات». ويذكر بأن سمو الشيخ عبدالله السالم استدعاه ليبلغه بأن فريقاً من الفنيين التابعين للكويت سيقوم بمسح استقصائي لأماكن المياه في الكويت، وقد يضطر هؤلاء الفنيون لتجاوز الحدود بين البلدين، ويطلب ابلاغ الملك سعود بذلك، يقول السفير: رفعت برقية بذلك فجاء الرد: أخبروا سمو الشيخ عبدالله بترحيبنا بالفريق الفني في أي مكان في المملكة حتى لو اراد البحث في مدينة الرياض عن الماء للكويت. كانت لهذه الاجابة المليئة بالدلالات وقع مؤثر في نفس سمو الأمير وهي اجابة غنية عن أي تعليق، فقد كانت العلاقات أكبر من المعايير حول الجوار والانتماء أو تشابه المصالح، وكل ذلك أتاح للسفير الحجيلان وفرة المداخل الى أوساط القرار «خلال الزمن القصير الذي قضيته في بلد أحببته وأحببت أهله». ويدون في نهاية الفصل اعتزازه بما أحاطه سمو الأمير الشيخ عبدالله السالم من معاملة أبوية لن ينساها معبرة عن كرم فضله وتواضع الكبار، كبار الفضائل والمقام.
في 29 مارس 1963 غادر السفير الحجيلان الكويت، متجهاً الى الرياض بعد تعيينه وزيراً للاعلام مدركاً أثقال المسؤولية وعارفاً بما يتوافر في المملكة من آليات اعلامية يسخرها لتطويق الاعلام المصري الذي كان عدوانيًا آنذاك.
نقلا عن "القبس"