تاريخ لعبة الكنجفة أو الجنجفة أو الباصرة أو الكوتشينة أو الشدة أو الورقة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
قبل عدة سنوات صدر لي كتاب "من كلام العامة في الزبير" وهو كتاب اعتمدت فيه على ذاكرتي الضعيفة في إيراد مفردات متداولة بين من كان يسكن بلدة الزبير من أهل نجد خصوصا وأنهم حافظوا على أغلب مفردات بلدهم نجد وعند حديثي عن لعبة (الجنجفة) لم أستطع أن أتوصل إلى أصل هذه اللعبة أو اسمها وهكذا جاء النص بعد التعديل.
(( ...الجنجفه هي ورق الكوتشينه عند المصريين والشدة في الشام والورقة أو الباصرة هنا في المملكة العربية السعودية... ))
إلى أن قرأت في كتاب "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" لابن حجر الهيتمي (ت974هجرية) يقول ابن حجر (( ...
ثم رأيتُ الأذرعيَّ نقَل ذلك عن بعض مُتقدِّمي أصحابنا فقال: وممَّا أظهَرَه المردة للترك فِي هذه الأعصار أوراق مزوقة بنُقوش سموها كنجفةٍ يلعَبُون بها، ...))
وهنا تنبهت إلى أن لفظة (جنجفة) محرفة عن لفظة كنجفة وهو كثيرا ما يحدث في اللغة العربية القديمة والحديثة يقال إن أصل اللفظ فارسي. ووجدت لفظة (كنجفة) في ترجمة الملك المملوكي المؤيد شيخ المحمودي في النجوم يقول: (( ...وسار عشيّة يوم الجمعة سادس عشرينه حتى قدم دمشق في بكرة يوم الخميس ثالث شهر رمضان ونزل بقلعتها، فكان لقدومه دمشق يوما مشهودا، وأخذ في إصلاح أمر البلاد الشاميّة إلى يوم الاثنين سابع شهر رمضان فأمسك الأمير آقباي المؤيدي نائب الشام، وقيّده وسجنه بقلعة دمشق.
وسبب القبض على آقباي المذكور أنّ السلطان الملك المؤيّد كان اشتراه في أيام إمرته صغيرا بألفي درهم من دراهم لعب الكنجفة، وهو أنّ الملك المؤيّد كان قاعدا يلاعب بعض أصحابه بالكنجفة وقد قمر ذلك الرجل بدراهم كبيرة، فأدخل عليه آقباي المذكور مع تاجره فأعجبه واشتراه، وطلب خازنداره ليقبض التّاجر ثمن آقباي المذكور فلم يجده، فوزن له المؤيد ثمنه من تلك الدّراهم التي قمرها، ثم رباه وأعتقه وجعله خازنداره، ثم رقّاه أيام سلطنته إلى أن جعله من جملة أمراء الألوف، ثم دوادارا كبيرا بعد موت جانى بك المؤيدي، ثم ولّاه نيابة حلب...))
وهذه الأحداث وقعت قبل سنة 815 هجرية بمدة أي قبل أن يتسلطن الملك المؤيد والملك المؤيد قد تسلطن في هذا العام
ومن ظريف ما ينقل هنا ما ذكر في ألف ليلة وليلة من استعراض لثقافة الجارية تودد بحضور الخليفة هارون الرشيد فقد جاء في الليلة الثالثة والخمسين بعد الأربعمائة وهي الليلة التي اختبرت فيها الجارية مقدرتها في الألعاب جاء في النص ((... قال أمير ... : يا تودد بقي عليك شيء مما وعدت به وهو الشطرنج وأمر بإحضار الشطرنج والكنجفة والنرد فحضروا وجلس الشطرنجي معها وصفت بينهما الصفوف ونقل ونقلت فما نقل شيئاً إلا أفسدته عن قريب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.))
يعتبر نص تودد الجارية من أظرف النصوص في الليالي ففيه استعراض لثقافة متخيلة في زمن الخليفة هارون الرشيد وهي حوادث متخيلة مصنوعة وإن كانت شخوصها حقيقية فالخليفة هارون الرشيد حقيقة تاريخية وكذلك المتكلم المعتزلي النظام ما أريد التنبيه عليه أن هذه اللعبة غير منتشرة على المستوى الشعبي في الفترات المبكرة لسبب مهم وهو أن صور ورموز هذه اللعبة كانت تعمل يدويا وتلون يدويا وهو أمر مكلف اقتصاديا "لدرجة أن هناك من يظن أنها من مبتكرات المردة والجن"، لهذا نجدها تذكر ضمن ألعاب الطبقات الأرستقراطية داخل القصور ولم تنتشر شعبيا إلا بعد تطور صناعة الطباعة والورق فتأمل.